إذا كان هناك مكان تتقاطع فيه الأناقة والإيمان والبهجة بلامبالاة ساحرة، فهو بلا شك مهرجان أوجودي أوبا في نيجيريا. يُقام الحدث سنويًا في مدينة إيجبو أودي بولاية أوغون، بعد أيام قليلة من عيد الأضحى، ويُعد تقليديًا تكريمًا للملك المحلي – الأوجالي (Awujale) حاكم أرض إيجبو. لكن ما بدأ كطقس ملكي تطوّر مع الوقت إلى ما هو أكبر من ذلك بكثير: جزء ديني، جزء احتفالي، وجزء عرض أزياء في الهواء الطلق — تخيّل مزيجًا بين لاغوس، والكرنفال، وحفل “ميت غالا”… ولكن بجلابيات أغبادة المطرزة ولفات جيلي بدلًا من الريش والفساتين.
من صلاة العيد إلى منصات الشارع
تعود أصول “أوجودي أوبا” — وتعني “ساحة الملك” بلغة اليوروبا — إلى القرن التاسع عشر، حين بدأ الإسلام ينتشر بسرعة في جنوب غرب نيجيريا. وبينما كانت المسيحية تدخل من خلال البعثات التبشيرية الاستعمارية، دخل الإسلام بشكل طبيعي عبر التجارة والهجرة. ومع حلول أوائل القرن التاسع عشر، كان عدد كبير من سكان إيجبو قد اعتنقوا الإسلام، لكنهم حُرموا آنذاك من المشاركة في المهرجانات التقليدية المرتبطة بالمعتقدات المحلية، فابتكروا احتفالهم الخاص. وهكذا وُلد “أوجودي أوبا”.
بدأ المهرجان كتجمع بسيط لعائلات مسلمة تؤدي التحية للملك، لكنه تحوّل إلى عرض مدهش يحضره عشرات الآلاف. تظهر العائلات والمجموعات العمرية التقليدية المعروفة بـ الريغبيريغيبي بإطلالات منسّقة بعناية، وكأن الشوارع تحوّلت إلى منصّة عروض أزياء. أغبادة مرصّعة، لفات جيلي لامعة، تطريزات مصممة خصيصًا، وتناسق ألوان قادر على جعل عجلة “بانتون” تدور بلا توقف.
الريغبيريغيبي… حاشية ملكية بلمسة شعبية
الـ ريغبيريغيبي ليست مجرد مجموعات عشوائية، بل نوادٍ اجتماعية تضم أفرادًا من نفس الجيل نشأوا معًا، ويظهرون في المهرجان كأنهم وفود ملكية. بعضهم يركب الخيول، والبعض الآخر يتقدمه عازفو الطبول التقليدية. باختصار، أوجودي أوبا يسرق الأضواء على إنستغرام عامًا بعد عام.
ورغم طغيان البعد البصري والمظهري للمهرجان، فإنه لم يفقد جذوره الروحية. لا يزال الحدث في جوهره يعبّر عن الاحترام للملك، وللأجداد، وللمقدّس. ويبدأ كثير من الحضور يومهم بأداء صلاة العيد، قبل الانتقال إلى أجواء احتفالية تمزج بين الورع والبذخ. وفي ثقافة اليوروبا، كما في مناطق أخرى من غرب إفريقيا، لا تتعارض الروحانية مع التأنق؛ بل تكمله.
وهذا التوازن الفريد بين التعبير الإيماني والجمالي هو ما يمنح “أوجودي أوبا” خصوصيته.
أوجودي أوبا: أرشيف حي… ومقاومة أنيقة
“أوجودي أوبا” ليس مجرد مهرجان، بل أرشيف حي لتاريخ نيجيريا قبل الاستعمار، ورفض صامت لهوية عولمية موحّدة، واحتفاء فاخر بالهوية السوداء دون حاجة لمصادقة غربية. وهو بالنسبة لجيل بدأ يتململ من تركة ما بعد الاستعمار ويبحث عن الأصالة، حدث يلامس الأعماق.
كما أن المهرجان يثبت قدرة الثقافة على النجاة من محاولات الطمس. فقد تعرضت العديد من التقاليد الإسلامية والمحلية للقمع أو التشويه خلال الحقبة البريطانية، لكن “أوجودي أوبا” لم ينجُ فحسب، بل ازدهر وأصبح أكثر حضورًا. هو ردّ بصري حي على السردية الاستعمارية التي اختزلت الثقافة الإفريقية في صور بدائية، ويؤكد أن التقاليد قادرة على التجدد وإعادة الابتكار دون أن تفقد جوهرها.
سواء حضرت من أجل الأزياء، أو الطبول، أو الطاقة الروحانية، فإن أمرًا واحدًا مؤكد: لا يوجد شيء يشبه أوجودي أوبا.
اقرأ أيضا
“قَسَح” استوديو: العلامة الإماراتية التي تعيد تصور التصميم الخليجي