من المفترض أن تكون بطولة كأس العالم مناسبة تجمع العالم حول كرة القدم، لكن الحديث عن نسخة 2026 يدور حول كل شيء تقريبًا باستثناء اللعبة نفسها. فمنذ أشهر، تتصدر العناوين قضايا الأمن والهجرة والقيود على السفر وارتفاع أسعار التذاكر والإقامة، إضافة إلى التساؤلات المتزايدة حول قدرة الجماهير والصحافيين والعاملين في البطولة، بل وحتى بعض اللاعبين، على دخول الدول المستضيفة والمشاركة في الحدث.
ومع انطلاق النسخة الثالثة والعشرين من كأس العالم، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يبدو أن الجدل المحيط بالبطولة لا يتراجع، بل يزداد اتساعًا يومًا بعد يوم.
خلال الأيام الأخيرة فقط، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى الولايات المتحدة بصفتها أحد المستضيفين الرئيسيين للبطولة. فبينما انشغل بعض المعلقين بمناقشة المخاوف الأمنية بعد حادثة إطلاق نار وقعت على بعد بضعة كيلومترات من مقر إقامة المنتخب الإنجليزي وأسفرت عن إصابة تسعة أشخاص، كانت تقارير أخرى تتحدث عن احتمال اضطرار المنتخب السويسري إلى تغيير مقر معسكره بسبب انتشار الأفاعي في المنطقة. وفي الوقت نفسه، استمرت المخاوف المتعلقة بالهجرة والحدود في فرض نفسها على النقاش العام.
في الواقع، لم تكن هذه المخاوف مفاجئة. فالولايات المتحدة تمتلك تاريخًا طويلًا ومعقدًا في التعامل مع قضايا الهجرة، ومع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة وتشديد سياسات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE)، كان من الطبيعي أن تتحول مسألة الدخول إلى البلاد والحصول على التأشيرات إلى إحدى أبرز القضايا المرتبطة بالبطولة.
الجميع يتذكر حجم الجدل الذي أحاط بكأس العالم قطر 2022. آنذاك، تعالت دعوات المقاطعة من جماهير واتحادات رياضية ووسائل إعلام وسياسيين وحتى بعض اللاعبين، وتحولت البطولة إلى موضوع نقاش أخلاقي وسياسي استمر لأشهر. لكن مع توالي الأزمات المحيطة بنسخة 2026، يبدو أن كثيرًا من تلك الأصوات نفسها اختارت الصمت.
ومن بين أكثر الحوادث التي أثارت الجدل مؤخرًا ما تعرض له مهاجم المنتخب العراقي أيمن حسين، الذي خضع للاستجواب والاحتجاز لما يقارب سبع ساعات في مطار أوهير الدولي بشيكاغو فور وصوله مع بعثة المنتخب. ورغم السماح له بالدخول لاحقًا، فإن مصور المنتخب العراقي مُنع من دخول البلاد بالكامل، ما حرم الفريق من توثيق وصوله واستعداداته للبطولة.
أما المنتخب الإيراني، فقد وجد نفسه في قلب جدل آخر. فبعد أشهر من التكهنات بشأن مشاركته، في ظل التوترات والصراع القائم بين إيران والولايات المتحدة، حصل اللاعبون في النهاية على التأشيرات اللازمة للمشاركة. لكن الاتحاد الإيراني لكرة القدم أعلن أن 15 عضوًا من الطاقم الإداري والفني لم يحصلوا على تأشيرات الدخول، ما عزز المخاوف من وجود معاملة غير متساوية لبعض الوفود المشاركة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فعلى الرغم من أن معسكر المنتخب الإيراني يقع في المكسيك، وأن جميع مبارياته في دور المجموعات ستقام داخل الولايات المتحدة، أُبلغ المنتخب بأنه سيكون مطالبًا بالسفر إلى الأراضي الأميركية يوم المباراة فقط ثم المغادرة مباشرة بعدها. بمعنى آخر، سيتعين على أحد المنتخبات المتأهلة إلى كأس العالم التنقل جوًا بشكل متكرر خلال البطولة بطريقة لا تُفرض على أي منتخب آخر تقريبًا. ولهذا وصفت السلطات الإيرانية هذه الإجراءات بأنها تمييزية وتتعارض مع روح المنافسة الرياضية.
كما واجهت جنوب إفريقيا بدورها صعوبات طويلة في الحصول على التأشيرات اللازمة لبعض أعضاء بعثتها. وفي المقابل، جرى تجاهل أو تهميش العديد من المخاوف الحقوقية التي أُثيرت قبل البطولة، رغم أن الولايات المتحدة كانت خلال الأشهر الأخيرة محور انتقادات دولية مرتبطة بعمليات الترحيل الجماعي للمهاجرين، وحملات المداهمة التي تستهدفهم، إضافة إلى استمرار دعمها لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رغم مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية.
ولا تقتصر هذه الازدواجية على ملف حقوق الإنسان فقط، بل تمتد أيضًا إلى القضايا البيئية. ففي عام 2022، كانت البصمة الكربونية لبطولة قطر محورًا أساسيًا للنقاش، وتعرضت الدولة المستضيفة لانتقادات واسعة بسبب مشاريع البنية التحتية الجديدة والتكاليف البيئية المرتبطة بتنظيم البطولة.
لكن المشهد يبدو مختلفًا تمامًا اليوم. فقلّة فقط تتحدث عن التأثير البيئي لبطولة موزعة على ثلاث دول و16 مدينة تفصل بينها آلاف الكيلومترات. وللمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، سيُطلب من المنتخبات والحكام والصحافيين والجماهير عبور حدود دولية والتنقل جويًا باستمرار بين مدن متباعدة بشكل يفوق المسافات التي تفصل بين دول كاملة.
فالجماهير التي ترغب في متابعة منتخباتها من دور المجموعات إلى الأدوار الإقصائية قد تجد نفسها مضطرة إلى السفر آلاف الكيلومترات عبر أمريكا الشمالية خلال أسابيع قليلة فقط. وإذا كانت الاستدامة البيئية قضية أساسية في 2022، فمن الصعب فهم سبب تراجع هذا النقاش بشكل كبير اليوم.
لا يعني كل ما سبق أن قطر لم تكن تستحق التدقيق أو النقد في 2022. على العكس، كان من الطبيعي إخضاع أي بطولة عالمية للنقاش والمساءلة. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا تبدو المعايير التي طُبقت آنذاك اختيارية اليوم؟
إذا كانت حقوق الإنسان قضية عالمية، فيجب أن تكون كذلك في كل مكان. وإذا كانت الاعتبارات البيئية مهمة، فلا ينبغي أن تتغير أهميتها بتغير الجغرافيا. وإذا كان من المقبول إدخال السياسة إلى عالم كرة القدم، فلا يمكن أن يحدث ذلك فقط عندما يكون الأمر منسجمًا مع مواقف سياسية معينة.
قبل أربع سنوات، قُدمت كأس العالم بوصفها اختبارًا أخلاقيًا عالميًا. أما اليوم، فتبدو نسخة 2026 وكأنها تكشف حدود ذلك الخطاب الأخلاقي وانتقائيته؛ ليس لأن الانتقادات السابقة كانت خاطئة، بل لأن كثيرًا ممن أطلقوها اختفوا عندما أصبحت المعايير نفسها قابلة للتطبيق على آخرين.