استغرق الأمر 29,535 يومًا فقط حتى تعتمد الأمم المتحدة أخيرًا خريطة تُظهر أفريقيا بحجم أقرب إلى حقيقتها. فبعد أكثر من 80 عامًا بقليل على تأسيس المنظمة، بدأت الأمم المتحدة تتخلى عن إسقاط خرائطي يعود إلى قرون، لطالما جعل القارة الأفريقية تبدو أصغر بكثير مما هي عليه في الواقع.
ولا، أفريقيا لم تكبر فجأة بين ليلة وضحاها. المشكلة أن الخرائط التي اعتدنا النظر إليها طوال حياتنا قدّمت لنا تصورًا مشوهًا نسبيًا عن الأحجام الحقيقية لمختلف مناطق العالم.
في إسقاط مركاتور، أحد أكثر أنظمة رسم الخرائط انتشارًا، يزداد تشوه أحجام الدول والقارات كلما ابتعدت عن خط الاستواء. ولهذا تبدو مناطق مثل غرينلاند وكندا وروسيا أكبر بكثير من مساحتها الحقيقية، فيما يحدث العكس تقريبًا مع أفريقيا.
وبأغلبية 164 صوتًا مقابل صوت واحد، أيدت الأمم المتحدة قرارًا يشجع على استخدام إسقاطات خرائطية تمثل الأحجام النسبية للقارات بصورة أكثر دقة. وبحسب المنظمة، يأتي التصويت تتويجًا لحملة قادتها دول أفريقية للطعن في الهيمنة المستمرة منذ قرون لإسقاط مركاتور وما ينتجه من صورة مشوهة للعالم.
ولا يعني القرار حظر خرائط مركاتور أو مطالبة الجميع بالتخلص من الأطالس القديمة. بل يشجع المدارس والحكومات والمنظمات الدولية وغيرها على استخدام إسقاطات أكثر دقة من حيث المساحة، مثل إسقاط «الأرض المتساوية» (Equal Earth) وغيره من الخرائط متساوية المساحات، كلما أمكن ذلك.
وكانت رئيسة تحرير MILLE، خولة غانم، قد تناولت في مقال سابق البعد السياسي لرسم الخرائط، مشيرة إلى أن الخرائط ليست محايدة تمامًا، بل تحمل إرثًا استعماريًا لا يزال يؤثر في الطريقة التي نرى بها العالم ونفهمه حتى اليوم.
وكتبت أن خريطة مركاتور اكتسبت انتشارًا واسعًا خلال ذروة التوسع الإمبريالي الأوروبي، في وقت كانت فيه تضخّم بصريًا مساحات القوى الإمبراطورية نفسها. بعبارة أخرى، كان من المفيد أن تبدو القوة أكبر على الخريطة أيضًا.
واليوم، يصل الاعتراض على هذه الطريقة في تمثيل العالم إلى أعلى المستويات المؤسسية. صحيح أن استبدال إسقاط خرائطي بآخر قد يبدو انتصارًا صغيرًا أمام قضايا أكبر بكثير، وأن خريطة جديدة لن تمحو قرونًا من الفكر الاستعماري أو تغيّر فجأة موقع أفريقيا في النظام العالمي. لكن بعد قرون ظهرت خلالها القارة، حرفيًا، أصغر مما هي عليه، فإن تمثيلها بحجم أقرب إلى حقيقتها يبدو خطوة تستحق الاهتمام.
وبالمناسبة، إذا كنتم تتساءلون عن الدولة الوحيدة التي صوّتت ضد القرار… نعم، ربما خمنتم الإجابة بالفعل: الولايات المتحدة.