ي وقت ما، ومن دون أن ننتبه تمامًا، بدأ العالم يفقد ألوانه.
الشقق الجديدة صارت تتدرج بين الرمادي والبيج، والمقاهي تبدو كأنها فروع لمكان واحد يتكرر من مدينة إلى أخرى، والعلامات التجارية تخلت عن شعاراتها المميزة لصالح خطوط بسيطة ومتشابهة. حتى ألعاب الأطفال، آخر ما قد نتوقع أن تطاله هذه العدوى، باتت تأتي بدرجات الكريمي والبيج والبني الباهت.
وللظاهرة اسم: «التحول إلى البيج» (Beigeification).
وهو وصف للميل المتزايد إلى الألوان المحايدة والخطوط النظيفة والتصميم المينيمالي، مقابل تراجع الألوان الصارخة والزخارف والتفاصيل والأنماط المرحة. وما إن تلاحظ الظاهرة للمرة الأولى، حتى تبدأ في رؤيتها في كل مكان.
مطاعم الوجبات السريعة التي كانت يومًا أشبه بساحات لعب ملونة أصبحت أقرب إلى صالات المطارات. المباني الجديدة يصعب أحيانًا التمييز بينها. وفي مدينتين تفصل بينهما آلاف الكيلومترات، قد تدخل مقهيين لتجد الخرسانة المكشوفة نفسها، والفولاذ نفسه، والنبات الموضوع بعناية في الزاوية نفسها، والإضاءة الصفراء الدافئة نفسها.
وبالطبع، لم تحتج الإنترنت إلى وقت طويل لتحويل الأمر إلى قضية.
انتشرت صور «قبل وبعد» لمراكز التسوق والسيارات والمطاعم والألعاب والشعارات والأماكن العامة. في جانب، عالم قديم مليء بالألوان والتفاصيل؛ وفي الجانب الآخر، نسخته المعاصرة بعد أن أصبحت أبسط وأنظف وأكثر حيادًا… وأقل شخصية أيضًا.
من السهل أمام هذه الصور أن نصل إلى استنتاج واحد: ربما أصبح ذوقنا أسوأ ببساطة.
ربما حدث شيء ما بين صعود المينيمالية وتحول منازل «بينترست» المثالية إلى نموذج للجمال، جعلنا نتعامل مع كل ما هو ملون أو مزخرف أو مختلف باعتباره مبالغًا فيه. كأن الوصول إلى «الذوق الرفيع» يتطلب أولًا التخلص من كل ما قد يلفت النظر.
لكن علاقتنا بالبساطة ليست مجرد موضة عابرة، وتعريفنا لما هو «جميل» أو «راقي» لم يتشكل في فراغ.
مع صعود الحداثة الأوروبية، لم تكن النقاشات حول الشكل منفصلة تمامًا عن تصورات أوسع بشأن التقدم والتحضر. وفي كثير من تلك التصورات، أصبحت البساطة والانضباط البصري في جهة، بينما دُفعت الزخرفة والألوان إلى جهة أخرى مرتبطة بما اعتُبر قديمًا أو أقل تطورًا.
ومن أكثر من عبّروا عن هذه النظرة صراحة المعماري النمساوي أدولف لوس (Adolf Loos)، أحد الأسماء المبكرة في الحداثة الأوروبية.
في مقالته الشهيرة «الزخرفة والجريمة» (Ornament and Crime)، ربط لوس تطور الثقافة بالتخلص من الزخرفة في الأشياء اليومية. ولم يكتفِ بذلك، بل قارن الأوروبي «المتحضر» بشعوب اعتبرها أقل تقدمًا، جاعلًا من الإفراط في الزينة علامة على التخلف، ومن غيابها دليلًا على القوة والتطور.
العنصرية في هذه الرؤية ليست خفية.
ولا يعني ذلك، بالطبع، أن المينيمالية في ذاتها عنصرية، أو أن طلاء المطبخ بالبيج فعل استعماري. لكن هذا التاريخ يزعزع قليلًا الفكرة المريحة بأن ما نسميه «ذوقًا جيدًا» أمر طبيعي ومحايد تمامًا.
فربط البساطة بالرقي، والزخرفة بالمبالغة، لم يولد من فراغ. وقد تشكل جزء منه في زمن كانت فيه أوروبا لا ترتب الأساليب الفنية والمعمارية فحسب، بل ترتب الشعوب والثقافات نفسها وفق تصوراتها الخاصة عن «التحضر».
ومع ذلك، لا يمكن تحميل التاريخ مسؤولية كل جدار رمادي نقابله اليوم.
هناك تفسير أكثر بساطة، وربما أكثر تأثيرًا: الجمال مكلف.
الأثاث المليء بالتفاصيل يحتاج إلى وقت وعمالة أكبر. صيانة الحدائق المزخرفة تكلف المال. الواجهات المعقدة أغلى من الجدران المستقيمة. والشعار البسيط الذي يمكن وضعه على واجهة متجر أو تطبيق هاتف أسهل وأرخص من هوية بصرية شديدة التعقيد.
حتى البيج استثمار آمن. لا يزعج أحدًا تقريبًا، ولا يخرج سريعًا من الموضة، ويسهّل بيع المنزل أو تأجيره لشخص آخر من دون إعادة تصميمه بالكامل.
حين ننظر إلى الأمر بهذه الطريقة، يصبح اختفاء التفاصيل أقل غموضًا.
للجمال فاتورة، وفي عالم يبحث باستمرار عمّا يمكن اختصاره، غالبًا ما يكون أول بند يمكن الاستغناء عنه.
المشكلة أن هذا المنطق لا يتوقف عند المقاهي والمنازل التي نختارها بأنفسنا. إنه يمتد إلى المدارس والحدائق ومحطات القطارات ومشاريع الإسكان والأرصفة والمقاعد وملاعب الأطفال والأحياء التي نقضي داخلها حياتنا.
وهنا يتغير السؤال.
لم يعد الأمر يتعلق بما إذا كنا نحب البيج أو نكرهه، بل بما يحدث عندما تصبح الكفاءة المعيار الوحيد الذي نبني وفقه العالم من حولنا.
فالزخرفة، من منظور وظيفي بحت، لا تفعل شيئًا. الجدار المزخرف يحمل السقف كما يحمله الجدار الخرساني العاري. الزهور لا تجعل الحديقة «تعمل» أفضل. والفسيفساء داخل محطة المترو لن تجعل القطار يصل أسرع.
وبهذا المنطق، يمكن حذف كل شيء جميل تقريبًا.
لماذا ندفع لفنان كي يصمم جدارية إذا كان بإمكاننا ترك الحائط فارغًا؟ لماذا نزرع أنواعًا مختلفة من النباتات إذا كان العشب أقل كلفة؟ لماذا نضيف تفاصيل إلى واجهة مدرسة إذا كانت أربعة جدران ونوافذ تؤدي الغرض؟
كل سؤال من هذه الأسئلة يبدو منطقيًا بمفرده.
لكن عندما تتراكم الإجابات، نحصل على عالم مبني وفق قاعدة مختلفة تمامًا: أرخص نسخة مقبولة من كل شيء.
ليس قبيحًا إلى درجة تثير الغضب، ولا سيئًا إلى حد يستوجب الهدم. فقط بلا شخصية بما يكفي كي نعبر من خلاله كل يوم من دون أن نشعر بشيء.
وربما تكون هذه هي الخسارة الحقيقية.
ليست المشكلة أن اللون اختفى من واجهات مطاعم الوجبات السريعة، بل أن تختفي معه فكرة أن الإنسان العادي يستحق أن يصادف شيئًا جميلًا في طريقه إلى العمل، أو داخل مدرسته، أو في الحديقة القريبة من منزله.
لكن هنا يصطدم هذا الدفاع الرومانسي عن الجمال بسؤال أكثر قسوة: من سيدفع ثمنه؟
إذا كان علينا الاختيار بين مدرسة واحدة جميلة ومدرستين أبسط تصميمًا، فأيهما نختار؟ وإذا كان التخلي عن جدارية أو فسيفساء في محطة قطار سيوفر ما يكفي لمد الخط إلى حي لم تصله المواصلات أصلًا، فهل ستظل الجدران العارية تبدو لنا بهذه القسوة؟
فجأة، يصبح الدفاع عن الجمال أصعب قليلًا.
خصوصًا أن الحنين إلى الماضي يميل إلى خداعنا.
ننظر إلى محطة مترو من طراز الآرت نوفو، أو مسبح فيكتوري مزخرف، أو مدرسة قديمة ذات نوافذ وأقواس وتفاصيل لا تنتهي، ونسأل: لماذا توقفنا عن بناء أشياء جميلة كهذه؟
ثم نتخيل الماضي وكأن الناس جميعًا كانوا يعيشون وسط تحف معمارية.
لكن المباني التي بقيت وأصبحت اليوم موضوعًا لحنيننا لم تكن بالضرورة التجربة اليومية للجميع. كثير منها كان مكلفًا في البناء والصيانة، وبعضها لم يكن متاحًا أصلًا إلا لمن يملكون المال أو المكانة. وقد يكون المسبح الجميل الذي نتغنى به اليوم بعيدًا عن أحياء كاملة لم يكن سكانها قادرين على الوصول إليه.
نحن، في النهاية، ننظر إلى الماضي من خلال أجمل ما نجا منه.
وهذا ما يغيب غالبًا عن نقاش «التحول إلى البيج». من السهل أن نسأل لماذا لم نعد نبني محطة قطار كتلك التي شُيدت قبل قرن. الأصعب أن نسأل: كم محطة نحتاج إلى بنائها اليوم؟ وكم ستكلف إذا أردنا أن تكون كل واحدة منها تحفة؟
أحيانًا، لا تكون البساطة نتيجة موت الذوق، بل الثمن الذي ندفعه كي يصبح الشيء متاحًا لعدد أكبر من الناس.
وهنا تكمن المفارقة.
نريد مدنًا جميلة، لكننا نريد أيضًا مدنًا يستطيع الناس العيش فيها. نريد مدارس لها شخصية، لكننا نريد مدرسة في كل حي يحتاج إليها. نريد محطات قطار تشبه الأعمال الفنية، لكن الأهم أن يصل القطار أصلًا إلى من يحتاجه.
ربما لم يمت الجمال إذًا. ربما أصبح ببساطة يدخل في منافسة دائمة مع الكلفة والسرعة وإمكانية الوصول.
وفي عالم بموارد محدودة واحتياجات لا تنتهي، لن ينتصر دائمًا.
لذلك، نعم، ليعش الرمادي، إذا كان يعني منزلًا إضافيًا لعائلة تحتاج إليه، أو مدرسة أقرب إلى الأطفال، أو مستشفى في منطقة ظلت لسنوات بلا خدمات، أو قطارًا يصل أخيرًا إلى حي كان خارج الخريطة.
لكن ربما يمكننا، ونحن نبني كل ذلك، أن نترك مكانًا صغيرًا للون أيضًا.