إذا كنت تتساءل عن سبب هذا الحر، فربما تكون والدة أحدهم على فيسبوك الآن، تستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد صور لها في الثمانينيات، رغم أن ألبومًا حقيقيًا مليئًا بصورها الحقيقية من تلك السنوات يقبع في مكان ما داخل منزلها. أرجوكم، ابحثوا عن الألبوم.
خرجنا للتو من صيف كان من بين الأشد حرارة المسجلة عالميًا. وسجّل أغسطس/آب 2026 أعلى درجات حرارة لشهر أغسطس على الإطلاق، بينما عاشت أوروبا الغربية أحر صيف في تاريخ سجلاتها. وفي يونيو/حزيران وحده، شهدت أجزاء من أوروبا موجات حر قاسية وحرائق غابات ودرجات حرارة قياسية.
الكوكب يحترق حرفيًا، ونحن قررنا أن هذا هو التوقيت المثالي لنسأل مركز بيانات مليئًا بوحدات معالجة الرسوميات: «كيف كان سيبدو شكلي بتسريحة شعر من الثمانينيات؟».
وبالطبع، صورة واحدة لا تكفي.
ولّد صورة أخرى.
اجعل الغرة أكبر.
أريدها «ثمانينيات» أكثر.
لماذا لا تشبهني؟
حاول مرة أخرى.
يا عزيزتي… أنتِ عشتِ الثمانينيات أصلًا.
في البداية، حوّلنا أنفسنا إلى شخصيات بأسلوب أفلام «ستوديو غيبلي». ثم جاءت مجسمات الأكشن، وحزم الشخصيات، وملصقات الأفلام الوهمية، وأغلفة المجلات المزيفة، وغيرها وغيرها.
نسأل ChatGPT ماذا نأكل، وماذا نرتدي، وإلى أين نذهب، وكيف نرد على رسالة، وما إذا كان الشخص الذي تربطنا به علاقة غير واضحة معجبًا بنا فعلًا، وحتى ماذا يعني الحلم الذي رأيناه في الرابعة صباحًا.
صرنا نتعامل مع الآلات كأنها مصممو جرافيك ومساعدون شخصيون ومعالجون نفسيون وأصدقاء مقربون وكرات سحرية تملك إجابات لكل أسئلتنا. لكن هذه الآلات تحتاج إلى مراكز بيانات تضم أعدادًا هائلة من أجهزة الكمبيوتر، وتستهلك بدورها الكهرباء والمياه كي تستمر في العمل.
وبهذا المعدل، قد ينتهي بنا الأمر نُطهى أحياء لأن أحدهم كان بحاجة ماسة إلى معرفة كيف ستبدو قطته لو كانت إنسانًا.
الجملة ساخرة عمدًا، لكن الأثر البيئي ليس كذلك.
للذكاء الاصطناعي التوليدي كلفة مادية يسهل جدًا تجاهلها، لأن واجهاته صُممت بحيث تخفي عنا كل ما يجري خلف الشاشة. تكتب طلبًا في مربع صغير وأنيق، وبعد ثوانٍ تظهر النتيجة. لا يتصاعد دخان من حاسوبك، ولا يفتح صنبور ماء بجوار لوحة المفاتيح، ولا يظهر عداد في زاوية الشاشة ليخبرك بكمية الكهرباء التي استهلكها طلبك.
لكن كل هذه البنية التحتية موجودة فعلًا.
خلف صورتك بالذكاء الاصطناعي في هيئة شخص من الثمانينيات، توجد شبكة عالمية من مراكز البيانات. وفي داخلها تعمل الخوادم على مدار الساعة وتنتج كميات هائلة من الحرارة. ولأن الحرارة عدو أجهزة الكمبيوتر، تحتاج مراكز البيانات إلى التبريد، والتبريد قد يحتاج إلى المياه. كما قد يستهلك توليد الكهرباء المياه، فيما يتطلب تصنيع الرقائق الإلكترونية داخل تلك الأجهزة مياه فائقة النقاء.
وقبل أن تصل هذه الرقائق إلى مراكز البيانات، تحتاج صناعتها إلى المعادن والمواد الكيميائية والمصانع وسلاسل توريد تمتد عبر العالم.
أما «السحابة» التي نحب الحديث عنها، فللأسف ليست سحابة فعلًا. إنها مبانٍ حقيقية، والمباني لديها شبكات مياه وأنظمة تبريد.
أي أنه قبل أن تحصل على صورتك الصغيرة اللطيفة من الثمانينيات، كانت وراءها بالفعل سلسلة إنتاج صناعية كاملة.
ولنكن واضحين: صورتك بتسريحة الثمانينيات لم تتسبب في أزمة المناخ. لا يزال الوقود الأحفوري المحرك الرئيسي لارتفاع حرارة الأرض، والقول بعكس ذلك لن يفعل سوى إعفاء الصناعات المسؤولة عن الحصة الأكبر من الانبعاثات التاريخية من مسؤوليتها.
المشكلة أننا نبني صناعة جديدة شديدة الاستهلاك للموارد فوق أزمة بيئية قائمة أصلًا، ثم نواصل ابتكار استخدامات أكثر عبثية لها.
هناك استخدامات للذكاء الاصطناعي قد تبرر كلفته البيئية، مثل البحث العلمي واكتشاف الأدوية ونمذجة المناخ وتحسين كفاءة الطاقة. امنحوا الخوادم شيئًا مفيدًا يجعلها تسخن من أجله.
لكن كل طفرة تكنولوجية تقع في النهاية في أيدي البشر، والبشر لديهم دائمًا سؤال أهم: «حسنًا، لكن هل يمكنك أن تجعلني دمية Bratz؟».
قدّر باحثون في جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد عام 2023 أن نحو 20 إلى 50 طلبًا عبر GPT-3 يمكن أن يرتبط باستهلاك قرابة 500 ملليلتر من المياه العذبة، مع اختلاف الكمية بشكل كبير بحسب مكان تشغيل النموذج وتوقيته.
قد يبدو نصف لتر كمية ضئيلة. لكن المشكلة تبدأ تحديدًا من هنا.
فلا أحد يجلس ليولّد صورة واحدة بالذكاء الاصطناعي، يتأملها بإعجاب، ثم يغلق التطبيق ويواصل حياته.
بل يولّد أربع صور.
الأولى تجعلك تبدو في الثالثة والستين. أعد المحاولة.
الثانية تمنحك سبعة أصابع. أعد المحاولة.
شعرك يبدو غريبًا. أعد المحاولة.
والآن جرّب التسعينيات.
والآن اصنع واحدة لحبيبك.
والآن اجمعكما معًا.
والآن، كيف سيبدو أطفالكما الافتراضيون؟
مبروك على الصورة العائلية. الأطفال غير موجودين، لكن بصمتهم البيئية موجودة.
وغالبًا ما يبدأ النقاش حول الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي متأخرًا جدًا. فنحن ننشغل بما يحدث عندما يضغط أحدهم على زر «إنشاء»، بينما تكون سلسلة طويلة من العمليات قد حدثت بالفعل قبل الوصول إلى تلك اللحظة.
فقبل أن يخبرك نموذج ذكاء اصطناعي كيف كان سيبدو شكلك في «ستوديو 54»، كان على أحدهم أولًا أن يصنع الرقائق القادرة على إعطائك هذه الإجابة.
يتطلب تصنيع أشباه الموصلات مياه فائقة النقاء، لأن شوائب مجهرية تكفي لإفساد عملية التصنيع شديدة الدقة. وحتى إنتاج هذه المياه يحتاج بدوره إلى كميات كبيرة من المياه. أضف إلى ذلك المواد الخام والمصانع والنقل وبناء مراكز البيانات والكهرباء اللازمة لتشغيلها، وكل هذا قبل أن يكتب أي مستخدم طلبًا واحدًا.
بعدها يأتي تدريب النماذج وتشغيلها، ثم مليارات ومليارات الطلبات.
وفي النهاية، تصل الأجهزة إلى مرحلة التقادم وتتحول إلى نفايات إلكترونية، لأن الصناعة التي تنتج «المستقبل» بسرعة جنونية تنتج أيضًا أجهزة الأمس بالسرعة نفسها.
ونحن نتحدث عن تقنية يتزايد الطلب عليها بوتيرة هائلة. تُبنى مراكز البيانات حول العالم، ويُقحم الذكاء الاصطناعي في منتجات كانت تعمل بشكل ممتاز من دونه، وتظهر خصائصه التوليدية في كل مكان، سواء طلبناها أم لا.
تبحث عن شيء؟ ذكاء اصطناعي.
تفتح Pinterest؟ ذكاء اصطناعي.
تكتب بريدًا إلكترونيًا؟ ذكاء اصطناعي.
كان الإنترنت يطلب منا في السابق استهلاك المحتوى. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فيدعونا الآن إلى إنتاج كميات لا نهائية منه بأنفسنا.
ووجد باحثون من Hugging Face وجامعة كارنيغي ميلون أن توليد الصور أكثر استهلاكًا للطاقة من كثير من المهام النصية التي يؤديها الذكاء الاصطناعي. وبلغ متوسط الطاقة اللازمة لإنتاج ألف صورة باستخدام النماذج التي اختبروها نحو 2.9 كيلوواط/ساعة، فيما استهلك النموذج الأقل كفاءة قدرًا أكبر بكثير.
وفي دراسة أخرى تناولتها MIT Technology Review، وجد الباحثون أن توليد صورة واحدة باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يستهلك قدرًا من الطاقة يعادل شحن هاتف ذكي.
ربما لا تحتاج كل صيحة جمالية عابرة إلى أن تتحول إلى عملية حوسبة تمر عبر مراكز بيانات في الجانب الآخر من العالم.
وهذا لا يعني أن استخدام الذكاء الاصطناعي للتسلية يجب أن يتوقف تمامًا. فالنقاشات البيئية تصبح غير منصفة بسرعة عندما تُلقى المسؤولية كلها على الأفراد، فيما تواصل الشركات توسيع بنيتها التحتية واستهلاك موارد أكبر.
المشكلة الأكبر تكمن في الشركات التي تضع الذكاء الاصطناعي في كل شيء تقريبًا، بينما تكشف القليل جدًا عن الموارد التي تستهلكها منتجاتها.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي في طريقه ليصبح جزءًا أساسيًا من حياتنا وبنيتنا التحتية، فمن الطبيعي أن تصبح كلفته البيئية أيضًا معلومة أساسية ومتاحة للجميع. فالمشكلة تبدأ عندما تُسوَّق لنا تقنية شديدة الاستهلاك للموارد كما لو كانت بلا حدود، ولا أثر لها، ومجانية تقريبًا.
لا شيء صناعيًا يأتي بلا كلفة.
هناك من يدفع ثمن الكهرباء، ومكان ما يوفر المياه، وأشخاص يستخرجون المعادن، ومجتمعات تعيش بجوار مراكز البيانات.
وفي النهاية، نعيش جميعًا مع تبعات تغير المناخ.