قدّمت بطولة كأس العالم 2026 حتى الآن نصيبها من اللحظات التي يصعب نسيانها، لكن أغرب قصة خرجت من البطولة ربما جاءت عقب تعادل إنجلترا وغانا من دون أهداف، في 23 يونيو، عندما ادعى الغاني نانا كواكو بونسام، الذي يُعرف بممارسة السحر والطقوس التقليدية، أنه ألقى تعويذة على هاري كين لمنع قائد المنتخب الإنجليزي من التسجيل.
بوجه مغطى بمسحوق أبيض، ومعصمين تلتف حولهما أساور حمراء وصفراء وخضراء، كان من الصعب ألا يلفت بونسام الأنظار في المدرجات. وفي مقطع فيديو سرعان ما انتشر على نطاق واسع، ظهر وهو يحمل زجاجة بلاستيكية في إحدى يديه وينفث مسحوقًا أبيض في الهواء.
وللمفارقة، جاء توقيت القصة مثاليًا إلى حد يصعب تجاهله. فقد فشل كين في التسجيل، واكتفت إنجلترا بتعادل محبط بنتيجة صفر لصفر، كما أهدر المهاجم فرصة ثمينة في الدقائق الأخيرة من المباراة. وبعد ذلك بوقت قصير، أعلن بونسام، الذي يعني اسمه «شيطان الأربعاء»، أنه رفع التعويذة عن اللاعب، مؤكدًا أن كين لم يكن عدوًا له في يوم من الأيام، بل إنه يفكر في تسمية مولوده المنتظر «هاري كين».
إذا كانت معرفتك بهذه القصص تقتصر على بعض العناوين الغريبة التي تنتشر من حين إلى آخر على الإنترنت، فقد يبدو الحديث عن السحر في كرة القدم أقرب إلى الطرافة أو الخرافة. لكن في كرة القدم الأفريقية، تتكرر مثل هذه القصص منذ عقود، حتى إنه يكاد لا يمر موسم أو بطولة كبرى من دون ظهور قصة عن تعويذة أو لعنة أو تميمة يُعتقد أنها قادرة على التأثير في نتيجة مباراة.
وقد درس باحثون لسنوات العلاقة بين كرة القدم والسحر والمعتقدات المرتبطة بالعالم المرئي وغير المرئي. ففي تحليلهما لثقافة كرة القدم في الكاميرون، يرى عالما الأنثروبولوجيا كيوشي أوميا وحسن م. يوسيمبوم أن كرة القدم أصبحت واحدة من أكثر المساحات وضوحًا لاستمرار المعتقدات الثقافية المرتبطة بما نراه وما لا نراه.
ويميز الباحثان بين ما يصفانه بـ«كرة القدم السحرية»، أي لحظات التألق الاستثنائي داخل الملعب التي تبدو وكأنها تتجاوز القدرات البشرية العادية، و«سحر كرة القدم»، أي الاعتقاد بأن السحر والقوى الروحية يمكن أن تؤثر بالفعل في نتيجة المباراة. وبحسب تحليلهما، أصبحت كرة القدم واحدة من أكثر الساحات العامة التي تظهر فيها المعتقدات المتعلقة بالحظ والسحر والحماية الروحية وسوء الطالع.
وبالطبع، لم تخلق كرة القدم هذه المعتقدات. فقد عرفت مجتمعات مختلفة في أفريقيا منذ قرون تقاليد مرتبطة بالمعالجين الروحيين والتمائم والتعاويذ وطقوس الحماية، وإن اختلفت أشكالها من بلد إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر ومن معتقد ديني إلى غيره.
وفي العالم العربي أيضًا، تحضر مفاهيم السحر والعين والحسد في المعتقدات الدينية والثقافة الشعبية، رغم أن ممارسة السحر تُعد من الكبائر في الإسلام. أما في أمريكا الجنوبية، فتزخر الذاكرة الكروية بحكايات عن السحر واللعنات التي تطارد الأندية، والملاعب الملعونة أو المباركة، والطقوس التي يُعتقد أنها تحمي اللاعبين والفرق.
ومع انتشار كرة القدم حول العالم، حملت معها المعتقدات والمخاوف والخرافات الموجودة أصلًا خارج أسوار الملاعب. لذلك، فإن قصة اللعنة المزعومة التي استهدفت هاري كين ليست سوى أحدث فصل في تاريخ طويل وغريب من العلاقة بين كرة القدم والسحر.
فقبل أن يدخل اسم كين إلى هذه الحكاية، كانت كرة القدم قد راكمت عشرات القصص عن السحرة والتعاويذ والتمائم المدفونة والخفافيش الميتة، وعن مباريات قيل إن نتائجها حُسمت بفعل قوى لا يستطيع أي حكم رؤيتها.
«لعنة» كريستيانو رونالدو في كأس العالم 2014
لم تكن قصة هاري كين المرة الأولى التي يدخل فيها اسم نانا كواكو بونسام إلى عالم كرة القدم. فقبل كأس العالم 2014، ادعى الساحر الغاني أنه المسؤول عن المشكلات التي عانى منها كريستيانو رونالدو في ركبته، قائلًا إنه استخدم وسائل سحرية للتأثير في المهاجم البرتغالي.
وكان رونالدو يعاني بالفعل من مشكلات بدنية قبل البطولة، لكن لم يظهر، بطبيعة الحال، أي دليل يربط إصابته بأي شيء يتجاوز الضغوط البدنية والإصابات التي يتعرض لها لاعبو كرة القدم المحترفون.
ومع ذلك، بقيت القصة جزءًا من الحكايات الغريبة التي تحيط بعلاقة السحر بكرة القدم، قبل أن يعود بونسام إلى الواجهة مجددًا، بعد أكثر من عقد، وهذه المرة بسبب هاري كين.
اتهام بول بوغبا باستخدام السحر ضد كيليان مبابي
في عام 2022، وجد بول بوغبا نفسه في قلب قضية ابتزاز خطيرة ارتبطت بأشخاص مقربين منه، من بينهم شقيقه ماتياس بوغبا. وخلال القضية، ظهر ادعاء أثار ضجة واسعة، مفاده أن بوغبا طلب من أحد ممارسي السحر إلقاء تعويذة على زميله في المنتخب الفرنسي كيليان مبابي.
نفى بوغبا هذه الاتهامات، كما أعلن مبابي دعمه له، لكن القصة تحولت سريعًا إلى واحدة من أشهر قضايا السحر المزعوم في كرة القدم الأوروبية خلال السنوات الأخيرة.
لعنة الغجر المزعومة في برمنغهام سيتي
عندما شُيّد ملعب سانت أندروز، معقل نادي برمنغهام سيتي، عام 1906، ظهرت أسطورة محلية تقول إن الملعب أُقيم فوق أرض كانت تستخدمها عائلات من الغجر الرحّل، وإن هؤلاء ألقوا لعنة على النادي بعد إجبارهم على مغادرة المكان.
قد تبدو القصة مجرد أسطورة محلية، لكن بعض مسؤولي النادي ومدربيه أخذوها على محمل الجد بدرجة كافية لمحاولة فك اللعنة.
فقد وضع لاعب ومدرب كرة القدم الإنجليزي الراحل رون سوندرز صلبانًا في أنحاء الملعب، بينما لجأ باري فراي إلى حل أكثر غرابة. فبعد أن أخبره أحد العرّافين أن بإمكانه كسر اللعنة بطريقة محددة، قام بالتبول في الزوايا الأربع للملعب.
نعم، حدث ذلك بالفعل.
«لعنة» بيلا غوتمان على بنفيكا
ربما تكون هذه أشهر لعنة في تاريخ كرة القدم.
بعدما قاد المدرب المجري بيلا غوتمان نادي بنفيكا البرتغالي إلى الفوز بكأس أوروبا مرتين متتاليتين، عامي 1961 و1962، غادر النادي عقب خلاف حول مستحقاته المالية.
وتقول الأسطورة إنه أعلن عند رحيله: «لن يصبح بنفيكا بطلًا لأوروبا مرة أخرى خلال مئة عام».
ومنذ ذلك الحين، خسر بنفيكا ثماني مباريات نهائية أوروبية، ما جعل اللعنة المزعومة واحدة من أكثر الأساطير استمرارًا في تاريخ اللعبة.
وتقول الروايات إن أسطورة النادي أوزيبيو زار قبر غوتمان قبل نهائي كأس أوروبا عام 1990، في محاولة لطلب الصفح ورفع اللعنة عن النادي. ومع ذلك، لا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كان غوتمان قد قال تلك العبارة فعلًا بالصورة التي اشتهرت بها لاحقًا، لكن القصة أصبحت أكبر من حقيقة وقوعها، وتحولت إلى جزء لا يتجزأ من تاريخ بنفيكا.
توماس نكونو والكاميرون في كأس أمم أفريقيا 2002
شهدت كأس أمم أفريقيا 2002 واحدة من أشهر حوادث اتهامات السحر في تاريخ الكرة الأفريقية.
فقبل مباراة نصف النهائي بين الكاميرون ومالي، أُلقي القبض على مدرب حراس مرمى المنتخب الكاميروني توماس نكونو، بعدما اتهمه مسؤولون بوضع تميمة سحرية على أرض الملعب.
ونفت الكاميرون ارتكاب أي مخالفة، لكن الحادثة بقيت واحدة من أشهر الأمثلة على الاتهامات باستخدام السحر والتعاويذ للتأثير في نتائج مباريات كرة القدم الأفريقية.
نيجيريا وإزالة «تعويذة» أمام السنغال في كأس أمم أفريقيا 2000
خلال مباراة ربع النهائي بين نيجيريا والسنغال في كأس أمم أفريقيا عام 2000، وقعت حادثة أخرى أصبحت من أشهر القصص المرتبطة بالسحر في الكرة الأفريقية.
كانت السنغال متقدمة في الدقائق الأخيرة من المباراة، عندما قيل إن مسؤولًا نيجيريًا دخل إلى أرض الملعب وأزال جسمًا من خلف المرمى السنغالي، بعدما اعتُبر «تميمة» أو «تعويذة» وُضعت في المكان.
بعد ذلك، سجلت نيجيريا هدفين وفازت بالمباراة.
وبالنسبة إلى المؤمنين بالسحر الكروي، كان التسلسل الزمني للأحداث كافيًا لإثبات نظريتهم. أما بالنسبة إلى الآخرين، فلم يكن الأمر أكثر من مصادفة أضافت فصلًا جديدًا إلى أساطير السحر في كرة القدم.
«لعنة موزمبيق» التي طاردت أستراليا
قبل مباراة في تصفيات كأس العالم عام 1969، تقول الرواية إن المنتخب الأسترالي استعان بمعالج تقليدي في موزمبيق لإلقاء لعنة على منتخب روديسيا.
وبحسب الأسطورة، رفض المنتخب الأسترالي دفع أجر المعالج بعد ذلك، فقرر الأخير أن يوجه اللعنة ضد أستراليا نفسها.
والنتيجة؟ فشل المنتخب الأسترالي في التأهل إلى كأس العالم لمدة 32 عامًا.
وفي عام 2004، سافر مقدم البرامج التلفزيوني الأسترالي جون سافران إلى موزمبيق، حيث أقام مراسم طويلة وغريبة بهدف «رفع اللعنة». وبعد ذلك، نجحت أستراليا في التأهل إلى كأس العالم 2006 في ألمانيا.
مصادفة؟ ربما. لكن في عالم اللعنات الكروية، كانت القصة أفضل من أن تُترك بلا أسطورة.
رواندا تحاول منع السحر في كرة القدم
في عام 2016، أفادت تقارير بأن الاتحاد الرواندي لكرة القدم فرض عقوبات على اللاعبين والمدربين والأندية المتهمة باستخدام السحر، وذلك عقب الجدل الذي أثارته مباراة في الدوري المحلي بين موكورا فيكتوري سبورتس ورايون سبورتس.
وأظهرت لقطات من المباراة لاعبين يتعاملون مع جسم قرب المرمى اعتقدوا أنه تميمة سحرية. واتخذ الجدل أبعادًا واسعة دفعت الاتحاد إلى التدخل وفرض إجراءات تأديبية ضد الممارسات المرتبطة بالسحر داخل الملاعب.
زيمبابوي تتهم الكاميرون بالسحر بعد العثور على خفاش ميت
في عام 2021، اتهم مدرب زيمبابوي زدرافكو لوغاروشيتش المنتخب الكاميروني باستخدام السحر، بعد العثور، وفقًا للتقارير، على خفاش ميت فوق أرض الملعب قبل مباراة في بطولة أمم أفريقيا للمحليين.
فازت الكاميرون بالمباراة بهدف دون مقابل، لكن صورة الخفاش الميت سرعان ما أصبحت أكثر شهرة من نتيجة المباراة نفسها، وانضمت القصة إلى القائمة الطويلة من اتهامات السحر في كرة القدم الأفريقية.
«حرب المنشفة» في نهائي كأس أمم أفريقيا 2025
لا تتضمن كل قصة مرتبطة بالسحر في كرة القدم لعنة صريحة أو تعويذة واضحة. ففي بعض الأحيان، يتحول شيء عادي تمامًا إلى موضع شك بسبب الظروف المحيطة به.
وهذا ما حدث خلال نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 بين المغرب والسنغال، عندما أصبحت منشفة حارس المرمى السنغالي إدوار ميندي محور اهتمام غير متوقع.
كان ميندي، بحسب التقارير، يستخدم المنشفة لتجفيف قفازيه في ظل الأجواء الممطرة، وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى حارس مرمى. لكن لاعبين وأفرادًا من الطاقم وجامعي الكرات من الجانب المغربي ظهروا وهم يحاولون إبعاد المنشفة أو التدخل لمنع استخدامها، بينما حاول الحارس السنغالي البديل ييفان ديوف حمايتها.
وعلى الإنترنت، انتشرت تكهنات بين بعض المشجعين بأن الجانب المغربي ربما اعتقد أن المنشفة تحتوي على تميمة أو مادة مرتبطة بالسحر. بينما رأى آخرون أن المسألة لا علاقة لها بالسحر من الأساس، وأنها لم تكن سوى محاولة للتأثير في تركيز ميندي وإرباك روتينه قبل لحظة حاسمة من المباراة.
راسينغ كلوب وأسطورة القطط السوداء السبع
لا تقتصر قصص السحر واللعنات في كرة القدم على القارة الأفريقية. ففي الأرجنتين، تعد أسطورة «القطط السوداء السبع» المرتبطة بنادي راسينغ كلوب واحدة من أغرب حكايات اللعنات في تاريخ اللعبة.
بحسب القصة، قام مشجعون لنادٍ منافس في ستينيات القرن الماضي بدفن سبع قطط سوداء ميتة تحت ملعب راسينغ بهدف إلقاء لعنة على الفريق.
بعد ذلك، دخل النادي في فترة طويلة من الإخفاقات والخيبات، وأصبحت قصة القطط المدفونة جزءًا من أساطيره وتاريخه الشعبي.
قد يكون من السهل التعامل مع كل هذه القصص باعتبارها مجرد خرافات لا مكان لها في رياضة حديثة تعتمد على البيانات والتحليل والتكنولوجيا. لكن استمرار قصص السحر في كرة القدم يكشف شيئًا أعمق عن اللعبة نفسها.
فكرة القدم ليست منفصلة عن المجتمعات التي تُمارس فيها. إنها تحمل إلى داخل الملعب معتقدات الناس ومخاوفهم وطقوسهم وخرافاتهم وتصوراتهم عن الحظ وسوء الطالع والحماية والانتصار والهزيمة. ولهذا، فحيثما توجد كرة القدم، يبدو أن قصص السحر لا تكون بعيدة عنها.
من تعويذة هاري كين المزعومة إلى لعنة بيلا غوتمان، ومن تمائم الملاعب الأفريقية إلى القطط السوداء المدفونة في الأرجنتين، يبدو أن تاريخ كرة القدم لا يُكتب فقط بالأهداف والبطولات والنتائج. ففي الظل، هناك دائمًا تاريخ آخر للعبة، مليء باللعنات والسحر والتعاويذ والطقوس الغريبة.
وربما تكون قصة هاري كين الأخيرة مجرد تذكير بأن كرة القدم، مهما أصبحت حديثة ومحكومة بالأرقام والكاميرات وتقنيات التحليل، لا تزال تحتفظ بمساحة واسعة للأساطير. ففي لعبة يمكن أن تتغير نتيجتها بسبب ارتداد غريب للكرة أو هدف في الثانية الأخيرة، لن يكون من الصعب على البعض الاعتقاد بأن هناك قوى أخرى تتحرك في الملعب، حتى وإن لم يتمكن أحد من رؤيتها.