5 أسباب تجعل المساواة بين الجنسين أكثر صعوبة على المرأة العربية

الأمر ليس مجرد قول مأثور أو شعار على تي شيرت بالنسبة لنا... بل مطلب أساسي للحياة

byنور حسّان

أصبحت قضية المساواة بين الجنسين موضوع الساعة بفضل حركات عالميّة مثل #MeToo، بالإضافة للوعي الاجتماعيّ المتزايد بمواضيع مثل عدم قدرة بعض الإناث على شراء المستلزمات الشخصيّة للدّورة الشهريّة. ولكن، وقبل أن تصبح هذه الأحاديث “رائحة” و”عصرية” بوقت طويل، كانت مناقشة الأمور المتعلّقة بالمرأة مدعاةً للاضطهاد ومادّة مستعصية على النقاش في العالم العربي.

 

وبالرغم من وجود عدد لا يكاد يحصى من المبدعات في مختلف مجالات الفنّ والأدب وصناعة السينما، نساء لامسْنَ في أعمالهنّ عدم التكافؤ المُزعج الذي يحدث في عالمهنّ؛ إلا أنّ أحداً لم يخصّص حواراً محدّداً عن مناصرة حقوق المرأة العربيّة حتّى الآن.

 

لا يعود ذلك لعدم حاجتنا لهذا الحوار بالطبع، كما لا يعودُ أيضاً لكوننا نفتقر للدّراية بعواقب عدم الوعي بأهمية القضايا النسائيّة؛ ولكن ببساطة لأنّنا نعاني من قضية المساواة بين الجنسين لأسباب عديدة. تدورُ النسويّة -كما نراها في الإعلام- حول حاجات مختلفة جذريّاً عمّا نحتاجه نحن بالفعل، وذلك منطقيّ بالنسبة لكونها مفهوماً غربيّاً بالأساس.

 

لا يمكننا أن نتجاوب بالطريقة نفسها. لا فيما يتعلّق بالمجادلة، ولا بالحملات الإعلانية، ولا حتّى بالرسوم الكاريكاتوريّة (memes) التي تتولّى نشر هذه المسألة. نحتاج أن نتوصّل لتعريفنا الخاصّ والنهائيّ لهذا المصطلح، ولكن ذلك لن يحصل قبل أن نتغلّب على بعض العوائق الموجودة في طريقنا:

 

الهويّة العربيّة التي لا تتزعزع

 

غالباً ما تكون النساء العربيّات مدركات جدّاً للتأثير الثقافيّ الذي يتسبّب به وجودهنّ كنساء في مجتمع أبويّ لا يرحم، حيث يتمّ التدقيق على طريقة لبسنا، والناس الذين نتواصل معهم، ومسارنا المهنيّ، وكلّ ما يخصُّنا لحدّ بعيد! إنّ الهويّة العربيّة هي هويّة يصعب الهروب من تبعاتها، والكثير من الناس يذهبون بعيداً لدرجة أن يجادلوا في أنّ النسويّة من جهة والنموذج الأصليّ للمرأة العربيّة من جهة أخرى هما أمران متناقضان أساساً. تكمن المشكلة بالنسبة للمرأة العربيّة في كونها مهيّأة ثقافيّاً لرفض النسويّة بكلّ أشكالها، فمجتمعاتنا مصمّمة للرجل العربيّ، وهي تلعب لصالحه معظم الوقت، وهو ما لا يفسح أيّ مجالٍ أمام النسويّة التي تعيش داخلنا للتعبير عن نفسها.

 

الرجال العرب يتجنّبون النسوية

 

سواء في النظرية أم في التطبيق، يعرف الرجل العربيّ أنّ اتّباع طريق التمييز الجنسي أسهل دائماً من حثّ وتشجيع النساء ليأخذنَ مكانهنّ في مجتمعاتهن، ناهيك عن صعوبة تجاهل وجود مثل هذه المشكلة الكبيرة! لديك الآن جيل ناشئ من النساء الشرق أوسطيّات، وهنّ يتمتّعنَ بالفرص والحريّة والإصلاح الثقافيّ المتزايد الذي لم يسبق له مثيل! وهذا يترك الرجل العربيّ في حالة من الحيرة والذهول! وبالرغم من أنّ الأغلبيّة لا تتردّدُ في دعم حركة نسويّة متكاملة، إلّا أنّنا كنساء عربيّات لم نضع بعد أيّ مبادئ توجيهيّة لما نريد للنسويّة أن تكون عليه في منطقتنا؛ ولذلك فإنّ أكثريّة الرّجال متمسّكين بالوضع الرّاهن — الالتزام بمظهر “كاره النساء” وكأنما هو شغلهم الشاغل.

 

نحتاج للمزيد من المعلومات

 

إنّ إحدى أكبر العقبات أمام النسوية في المنطقة العربيّة هي أنّ هناك نقص شديد في المعلومات المتعلقة بها. وعندما لا يكون هناك حركة أدبيّة حول موضوع ما فإنّ ذلك يجعله آراء شخصيّة في أحسن الحالات، وبالتالي غير ذي أهمية. وهناك بالطبع نساء عربيّات عظيمات، المغربية فاطمة مرنيسي، آسيا جبّار الجزائرية، خديجة الشريف التونسية، و السعودية وجيهة الحويدر، على سبيل المثال. هنّ مقاتلات في كل مكان بالمنطقة، ولكن رسائلهن لا تتناول إلا قليلا في المجتمع المدني وغالبا ما تكون متفرّقة. هناك فنّانات عربيّات -مثل صفاء من السعوديّة- يوصلن رسالة مفادها “أنا حارسي الشخصيّ” من خلال أعمالهن. أضف لذلك صانعاتِ أفلام مثل المخرجة اللبنانية نادين لبكي في فيلمها “كراميل”، ومؤلّفات وكاتبات مثل رجاء الصّانع صاحبة كتاب “بنات الرّياض”… كلّ هؤلاء النسوة صنعن أجزاءً من عمل راح يثبت رويداً رويداً أنّ النسويّة تأخذ شكلها بهدوء وثقة في العالم العربي. ولكن، لمعرفة مثل هذه المعلومات سيكون عليك البحث عنها بشكل جدّي. وفي النهاية قد يستضيف فيلم مثل “كراميل” مساحات ومواضيع تتعلّق بأمثلة عُليا نسويّة، ولكن من السهل جدّاً أن يتمّ تصنيفه كفيلم دراما رومانسيّ أو فيلم مستقل قصير.

 

نعم.. النسوية مثيرة للجدل، حتّى في عام 2018

 

من منّا لا يحبّ قليلاً من الجدل؟ حسناً، المجتمعات العربيّة! النسوية قضيّة مُربكة بالنسبة للأجيال الأكبر سنّاً في العالم العربيّ على وجه الخصوص.  أتعرف ما يعنيه أن تكون النساء مستقلّات بشكل كامل، ومتوجّهات لتحقيق أهدافٍ عمليّة، ومتشبّثات برأيهنّ، ومتعلّمات بشكل جيّد؟ يا للجنون! والأسوأ من ذلك أنّنا بدأنا نناقض رأي الرّجال في مجتمعاتنا بشكل فاعل، ونناقش بالحجّة والمنطق، داعمين آراءَنا بالمعلومات كما لم نفعل يوماً. كلّ هذه الأفكار مُخيفة بالفعل، وغالباً ما تأخذ الثقافات بعض الوقت لتتقبّل مفاهيم كان يتمّ النظر إليها على أنّها غريبة ومُستَهجَنة فيما مضى. إنّه أمر مسلٍّ لي ولمعظم صديقاتي العربيّات، إنّنا نراقب المجتمع وقد بدأ يعتاد على جيل من النساء الواعيات بشكل لا لبسَ فيه لحقيقة أنّه مسموحٌ لهن القيام بكلّ ما يرغبن به. ببساطة لأنّنا نتعلّم أن يكون لنا صوت، ولأنّ الوقت قد تغيّر، ولأننا نستطيع أن نفعل ذلك بالتأكيد.

 

هنالك مشاكل أكبر تستحقّ الضوء

 

تبقى النسوية في نهاية المطاف وسيلة لتحقيق غاية أكبر. إنّها حركة تعمل كمحفّز للتغيير، وحالة ذهنيّة تُمَكِّن النساء حول العالم. ولكن في مجتمع لا تزال فيه المساواة هدفاً مستقبليّاً، من الممكن القول أحياناً إنّ لدى النساء العربيّات قضايا أكبر ليركّزن عليها، بحيث لا يتبقى لديهن الوقت ولا الترف ليتكلّمن عن النسوية في الوقت الذي نحتاج فيه لإصلاحات أكبر بكثير. نحتاج لإصلاحات في مجال السماح بالسفر، وحقوق مدنيّة وقانونيّة أفضل، وأن يصبح صوتنا مسموعاً بشكل جدّي في مجتمعنا. تكمن خطورة أن يصبح موضوعٌ ما دارجاً في كونه يخسر بعضاً من نفوذه، أمّا الحاجة للمساواة بالنسبة للنساء العربيّات فهي ليست موضة دارجة أبداً، ليست اقتباساً ثوريّاً على “تي شيرت” جميل، وليست موضة عابرة أو حتّى عنواناً ناجحاً يجتاح وسائل الإعلام؛ إنّه مطلب حياتيّ حقيقي لا مفرّ منه! نحن في عام 2018، وقد سُمِح أخيراً للنساء أن يقدْنَ السيارات في السعوديّة! تلك هي الإصلاحات التي بدأنا نرى النسويّة تتشكل من خلالها وتترك الأثر في منطقتنا. ولكن علينا أولاً أن نلقي بالاً لبعض الأشياء التي تعرقل تقدّمنا وتخفّف من سرعتنا، ومنها: إصرار الرّجال على الدفع عنا، أو الاعتقاد الشائع بأنّ النساء في العالم العربيّ لا يحتجنَ للعمل أو ليكونَ لديهنّ حرفة بالأساس. أو مثل فكرة أنّنا لا نستطيع القدوم للمنزل بعد موعد قدوم أخوتنا الذكور لأنّ ذلك أمر “غير مقبول اجتماعيّاً”! لدينا الكثير من العمل للقيام به، قبل أن نستطيع الجلوس والاسترخاء أخيراً، وربما البدء بتعريف ما تعنيه النسوية بالنسبة للنساء العربيّات.

 

رسوم Anna Benarrosh @roshbena

شارك هذا المقال