نظرة على مشهد الموسيقى المزدهر في فلسطين

هل يمكن أن يأتي الفن الرائع من قلب المعاناة؟

byأمينة الكعبي

مع كل المواهب الرائعة التي خرجت من فلسطين خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن القول أننا نشهد نهضة فنية خلاقة في ذلك البلد الذي ظهرت فيه أول منسقة أغاني أنثى في رام الله وواحدة من أولى فرق موسيقى التراب في العالم العربي، ولذلك فإن المشهد الموسيقي الفلسطيني مزدهر بشكل خاص، وهو إنجاز مثير للإعجاب بالنظر إلى أن البلد لا يزال تحت الاحتلال.

 

قد يقول البعض أن السبب يعود (وربما بطريقة ملتوية) إلى الصمود الفلسطيني الذي تجلى في أشكال مختلفة من الفن، وكما يقول المثل: “الفن العظيم يأتي من ألمٍ عظيم”. وقد يكون هذا قد يكون صحيحا، لكن فكرة “الفنان المعذب” هي واحدة من أكثر الأفكار إثارةً للجدل – وبشار مراد هنا لوضعها موضع تساؤل.

 

“الاحتلال ليس هو الشيء الوحيد الذي يحددنا أو يعبّر عنا”، كما يقول مراد، وهو ليس مخطئاً. وقد بنى مراد، الذي يتخذ من القدس مقراً له، اسما لنفسه كواحد من أوائل مطربي موسيقى البوب في البلاد، ويشتهر بخرقه للحواجز الاجتماعية. لكن في الوقت الذي يتم فيه تسييس هويته الفلسطينية في جميع أنحاء العالم، يفضل مراد أن تقديم الموسيقى التي تناقش صراعات الإنسان وتتحدث عن مواضيع لطالما اعتبرت محرمة.

 

بدلاً من التركيز بشكل متواصل على الاحتلال الإسرائيلي، يفضل التحدث عن القلب المفطور بسبب الحب وحتى مواضيع المثلية الجنسية. من بين أغانيه، ومنها أغنية “More Like You” التي يتحدث فيها بوضوح عن مهمته. تم تصوير الفيديو الخاص بها بالكامل في الضفة الغربية، وقرر مراد من خلاله أن يركّز على دور الهوية الجنسية الذي فُرض في فلسطين وعلى الفلسطينيين الذين اخترقوه، وتظهر في الفيديو سائقة سيارة سباق أنثى وسائقة شاحنة، وراقص الباليه الذكر قهّار حرشة، وهو أول شاب فلسطيني يمارس هذا النوع من الرقص.

 

 

بدأ هذا المغني البالغ من العمر 25 عاماً مهنته في الموسيقى منذ ثماني سنوات حيث بدأ بالغناء باللغة الإنجليزية، ولكن مراد الآن يؤلف الموسيقى باللغة العربية كذلك. مع صدور أغنيته العربية الثانية “شلة حمل”، أصبح نجم البوب الطموح هذا من أبرز الأسماء في المنطقة.

 

 

التقت ميل بمراد للتحدث عن بدايته في المشهد الموسيقي، ولماذا لم يسمح للاحتلال يتحديد هويته، وعن المشاريع المثيرة التي يخطط لها.

 

 

كيف بدأت في مجال الموسيقى؟

لقد ولدت في عائلة موسيقية. كان والدي مؤسس “صابرين”، وهي فرقة فلسطينية شهيرة بدأت في أوائل الثمانينيات. كنت محظوظاً بما يكفي لأني ولدت في هذا العالم، حيث أصبحت الموسيقى جزءاً لا يتجزأ من طفولتي ووجودي. مع تقدمي في السن، أصبحت الموسيقى شريان الحياة بالنسبة لي حيث يمكنني التعبير عن نفسي عندما أشعر أنه لا أحد يسمعني.

 

لماذا تختار التحدث عن المواضيع المحرمة في أعمالك؟

أعتقد أنه من المهم استخدام الموسيقى كمحفز للتغيير الإيجابي في المجتمع. لقد رأيت كيف أحدث موسيقيون بارزون مثل فريدي ميركوري وديفيد بوي ومادونا وليدي غاغا تغييرات كبيرة في المجتمع من خلال موسيقاهم. ونادراً ما أرى موسيقيين عرباً يحاولون أن يفعلوا الشيء نفسه أو أن يدافعوا عن قضايا نادراً ما يتحدثون عنها. كانت الموسيقى وما زالت بمثابة علاجٍ نفسي بالنسبة لي، ومن المهم بالنسبة لي أن أساعد الآخرين في الموسيقى بنفس الطريقة التي ساعدتني بها. كطفلٍ مثليّ الجنس ومراهق، شعرت أنني موجود من خلال موسيقى مادونا وليدي غاغا. وإذا كان هناك من يشعر أنه موجود أثناء الاستماع إلى موسيقاي، فإنني أشعر وكأنني أعيد الجميل له.

 

هل تلهمك فلسطين؟

موسيقاي تعكس الحياة اليومية للفلسطينيين. بدءاً من الاحتلال ولكن أيضا الأشياء اليومية التي نعاني منها كبشرٍ على نحوٍ يومي. الاحتلال ليس هو الشيء الوحيد الذي يحددنا وأنا أحاول أن أظهر ذلك في موسيقاي.

 

من المهم بالنسبة لي أن أتحدث عن الاحتلال، وأعتقد أنه من المهم بالنسبة لي أن أغنّي عن المساواة بين الجنسين، وقضايا المثليين، وحتى الموضوعات الشائعة مثل الحب والانفصال.

 

ما الذي يلهمك عند الكتابة؟

مصدر إلهامي هو بالتأكيد التجربة الشخصية. أجد صعوبة في الكتابة عن أشياء لم تحدث لي أو أشياء لم أشعر بها. عندما يستمع أحد إلى موسيقاي، يستمع إلى مشاعري العميقة التي اخترت الكشف عنها.

 

كيف تصف المشهد الموسيقي الفلسطيني؟

المشهد الموسيقي هنا في فلسطين مزدهر. هناك الكثير من الأمور التي تحدث لكن لا يعرفها العالم. لدينا كل شيء من الموسيقى الإلكترونية إلى الموسيقى الشعبية لفرق الهارد روك.

 

مع وجود الاحتلال، هل تشعر أنك مقيّد في فلسطين؟

هناك الكثير من المواهب هنا في فلسطين ولكن القليل من الموارد. جني الأرباح من الموسيقى أمر صعب للغاية. أكسب حالياً المزيد من الأموال في إنتاج الموسيقى ومقاطع الفيديو الخاصة بي. ولكن لدي عقلية مفادها أنه إذا عملت بجد بما فيه الكفاية سيكون هناك نوع من المردود أو النتيجة في مرحلة ما. أنا أصنع الموسيقى لأنها شغفي الوحيد. ومن الصعب أيضاً تقديم الحفلات الموسيقية في الخارج بسبب مشاكل التأشيرات.

 

بالنظر إلى أن المجتمع العربي لا يزال محافظاً، كيف كان رد فعله على فيديو أغنية “More Like You”؟

 من المدهش أن ردود الفعل الإيجابية والسلبية كانت متساوية. كان الكثير من الناس يشيدون بالفيديو والمشاركين فيه. ومع ذلك، غُمر قسم التعليقات بكلمات سلبية تقول إن الأدوار موزعة بين الجنسين لسبب ما، ويجب ألا نحاول تغييرها. بالنسبة لي، من المهم أن يكون هناك حوار بغض النظر عما يقال.

 

ما هو الإلهام من وراء أغنية “شلة حمل”؟

تصف كلمات الأغنية شعور اليأس من المجتمع وتركز على المنبوذين الذين يشعرون أنهم لا يصلحون لشيء. في الفيديو، اخترت التركيز على الأفراد الذين يتبعون مجالات غير تقليدية مثل الموسيقى والرقص والفن. التقيت هؤلاء الراقصين الموهوبين حقا من نابلس الذين خلقوا مشهدهم الخاص. وبطريقة ما، يعدّ هذا الفيديو احتفالاً بجهودهم في اتباع مساراهم الخاص في الحياة بدلاً من الالتزام بما يراه المجتمع أكثر ملاءمة لهم.

 

هل هناك مشاريع جديدة ومثيرة في المستقبل؟

نعم فعلا! الأسبوع القادم سأصدر أغنية مع Al-Qaws لمناصرة التنوع الجنسي في فلسطين. الأغنية بعنوان “ما بتغيرني” لذا ترقبوها. سأقوم أيضاً بإصدار فيديو وأغنية في الشهرين التاليين كنت أعمل عليهما خلال العامين الماضيين بعنوان “مسخرة” وتتحدث الأغنية عن محاولتي للتعامل مع الحياة تحت الاحتلال ويقول أحد المقاطع: “صب شراباً آخر، ولفّ سيجارة، ربما سأنسى كل هذا الهراء”.

 

شارك هذا المقال