من السهل التقليل من شأن الموضة عندما تتحول إلى وسيلة للتعبير عن موقف سياسي. دبوس على السجادة الحمراء، قميص يحمل شعارًا، أو لون اختير بعناية لإيصال رسالة؛ كلها لفتات سرعان ما تواجه السؤال نفسه: وماذا تغيّر فعليًا؟
لكن إطلالة أوليفيا رودريغو الأخيرة تقدّم إجابة مختلفة قليلًا، لأن ما ارتدته لم يكن مجرد رمز للتضامن مع فلسطين، بل قطعة صُنعت في فلسطين، بأيدي فلسطينية، ووصل ثمنها إلى أشخاص يحاولون الحفاظ على عملهم في ظل الاحتلال.
قبيل انطلاق النسخة الأولى من مهرجان Daisy Chain Fields في كاليفورنيا الشهر الماضي، ظهرت المغنية، البالغة من العمر 23 عامًا، في مؤتمر صحفي بفستان قصير باللون الوردي الفاتح من علامة الأزياء الفلسطينية Nöl Collective. صُنع الفستان من الحرير الخام وزُيّن بالتطريز الفلسطيني التقليدي، برسومات لطيور وأزهار أقحوان مترابطة.
لكن قصة الفستان، والرحلة التي قطعها قبل أن يصل إلى رودريغو، هي ما منح الإطلالة معناها الحقيقي.
تأسست Nöl Collective في رام الله على يد المصممة الفلسطينية الأميركية ياسمين مجلي، وتعمل مع ورش عائلية وتعاونيات نسائية وحرفيين وحرفيات في أنحاء فلسطين. وتعتمد العلامة على تقنيات محلية مثل التطريز والنسيج اليدوي والصباغة الطبيعية، مع إبقاء أكبر قدر ممكن من عملية الإنتاج داخل المجتمعات الفلسطينية التي تحمل هذه الحرف وتحافظ عليها.
وعندما تواصل فريق رودريغو مع مجلي، كانت الأخيرة تمر بإحدى أصعب مراحل مشروعها.
فبحسب ما روته لـVogue Arabia، كانت العلامة قد طلبت صوفًا منسوجًا يدويًا ومصبوغًا طبيعيًا من الهند لاستخدامه في مجموعتها الخريفية المقبلة، لكن الشحنة بقيت عالقة لدى الجمارك الإسرائيلية لأشهر قبل أن تُتلف. وحين حاولت مجلي البحث عن بديل في القدس، حالت إغلاقات الطرق دون مغادرتها رام الله. ومع تكرار العراقيل التي تحاصر أبسط تفاصيل الإنتاج تحت الاحتلال، بدأت تفكر جديًا في إغلاق Nöl Collective.
ثم جاء طلب أوليفيا رودريغو.
لم يكن أمام مجلي سوى أقل من أسبوع لإنجاز الفستان. وبعد البحث، وجدت محليًا قماشًا واحدًا مناسبًا: حريرًا خامًا بلون وردي يشبه بتلات الزهور. ومن هناك، انتقلت القطعة بين حرفيين وحرفيات في الضفة الغربية، ومرّت عبر تسعة أزواج من الأيدي خلال مراحل القص والخياطة والتطريز.
حتى التنقل بين المدن تحول إلى جزء من عملية الإنتاج. فالرحلة من رام الله إلى بيت لحم، التي تستغرق عادة نحو 90 دقيقة، امتدت إلى ثلاث ساعات بسبب الحواجز.
وبعد إنجاز الفستان، ظهرت عقبة أخرى: كيف يمكن إيصاله إلى كاليفورنيا في الوقت المحدد؟
لم تستطع أي شركة شحن ضمان وصوله بالسرعة المطلوبة، فتطوع شخصان بحمله معهما في أمتعتهما وإيصاله إلى لوس أنجلوس. وهكذا، ورغم الحواجز والإغلاقات وصعوبات الشحن، وصل الفستان في موعده.
ما بدا في الصور فستانًا ورديًا بسيطًا كان في الحقيقة يحمل قصة كاملة عن الظروف التي يعمل في ظلها المصممون والحرفيون الفلسطينيون.
وجاءت الإطلالة بالتزامن مع إعلان رودريغو عن التزام مهرجان Daisy Chain Fields بتقديم 10 ملايين دولار لمنظمات تدعم النساء والفتيات. وشارك في المهرجان فنانون وفنانات من بينهم تشابيل رون ودوتشي وميتسكي وBikini Kill وستيفي نيكس، فيما خُصص صافي العائدات لمنظمات تعمل في مجالات الحقوق الإنجابية وصحة الأمهات ومناهضة العنف الأسري والصحة النفسية. ولاحقًا، ضاعفت ميليندا فرينش غيتس قيمة المساهمة بإضافة 10 ملايين دولار أخرى، ليصل الإجمالي إلى 20 مليون دولار.
لكن الفستان يروي، على نطاق أصغر، قصة أخرى عن الطريقة التي يمكن أن يتحول بها التضامن إلى أثر مادي مباشر.
تقول مجلي إن عددًا من العائلات الفلسطينية التي تعمل معها Nöl Collective أصبح يعتمد بصورة أكبر على الدخل الذي توفره العلامة، خصوصًا بعد تشديد القيود على تصاريح العمل منذ 7 أكتوبر 2023. لذلك، لا يعني طلب من نجمة بحجم رودريغو مجرد انتشار أوسع للعلامة أو ظهور اسمها على إنستغرام؛ بل يعني أجورًا تُدفع لمطرزات وخياطات وحرفيين وورش وعائلات في وقت تتقلص فيه فرص العمل ومصادر الدخل.
خلال السنوات الماضية، ارتبط تضامن المشاهير مع فلسطين غالبًا بالبيانات والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي والدبابيس على السجادة الحمراء والتوقيع على الرسائل المفتوحة. ولهذه المواقف أهميتها، خصوصًا حين تمنح القضية مساحة أمام جماهير بالملايين، لكنها تظل محدودة إذا توقفت عند حدود الرمز.
أما شراء منتجات فلسطينية، وتكليف مصممين وفنانين فلسطينيين بأعمال، وتشغيل مبدعين فلسطينيين، وتوجيه الأموال إلى مشاريعهم، فيضيف إلى التضامن بعدًا أكثر مباشرة: دعم القدرة على الاستمرار.
وتكشف قصة هذا الفستان أيضًا مدى صعوبة فصل الموضة عن السياسة. فالملابس لا تظهر من فراغ؛ هناك من يصممها ويصنعها وينقلها، وكل ذلك يحدث داخل ظروف اقتصادية وسياسية محددة. وفي فلسطين، حيث يمكن لحاجز أن يضاعف زمن رحلة بين مدينتين، وحيث قد يؤدي احتجاز شحنة قماش إلى تهديد مستقبل مشروع كامل، تصبح صناعة قطعة ملابس مسألة سياسية حتى قبل أن ترتديها شخصية مشهورة.
بالنسبة إلى ياسمين مجلي، جاء طلب رودريغو في اللحظة التي كانت تفكر فيها بالتخلي عن مشروعها، حتى إنها وصفته بأنه أشبه بـ«تدخل إلهي».
وهنا ربما تكمن أهمية الإطلالة فعلًا. فما كان يمكن أن يكون مجرد فستان فلسطيني ترتديه نجمة عالمية، أصبح عملًا مدفوع الأجر لمجموعة من الفلسطينيين والفلسطينيات، ودعمًا لعلامة كانت تتساءل إن كان بإمكانها الاستمرار.
التضامن لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون أعلى صوتًا. أحيانًا، يمكن أن يكون أكثر معنى عندما يتحول من رسالة نرتديها إلى مورد يصل فعلًا إلى من نقول إننا نتضامن معهم.