توقّفوا عن استخدام الناس وكأنهم إكسسوارات!

للتذكير..

byأمينة الكعبي

لم يعد الحديث عن الانتحال الثقافيّ يجدي نفعاً في وقت يظهر فيه مُخالف جديد كلّ يوم، وطابور من الناس الجاهزين للغوص في تفاصيل الأسباب التي تجعل من تصرّفات شخصٍ ما خاطئة. حتّى أنّ المسألة لم تعد تتمحور حول مدى إشكاليّة الانتحال الثقافيّ بحدّ ذاته بقدر ما أصبح تقييمها مختلفاً بحسب الأشخاص الذين يقومون بذلك، خصوصاً مع السهولة التي يتحزّب بها الناس هذه الأيام وكأنهم يضعون كلّ قوّتهم في شنّ هجومات شخصيّة بحتة! ومع وجود منصّات التواصل الاجتماعيّ فإنّ ردّة الفعل السلبيّة التي يتسبّب بها الانتحال الثقافيّ تصبحُ سريعة جدّاً، وتنتشرُ كالنار في الهشيم مسبّبة الكثير من الحرج.

 

ولكن حتى ولو كنّا نستحقُّ ما حصل لنا، إلّا أنّنا وصلنا لمرحلة خطرة نحتاج معها أن نغيّر من أولويّاتنا. نحتاج لمعرفة ماهيّة الانتحال الثقافيّ، وأن نناقش الطّرق التي يمكن أن يتسبّب فيها بالأذى في حياتنا الواقعيّة.

 

ولشرح هذه الظاهرة بكلمات بسيطة يكفي أن نقول إنّ الانتحال الثقافيّ هو أن يسرق شخص ما بعضاً من الملامح الثقافية لشخص آخر، ليقوم بتسويقها كما لو أنها ثقافته الخاصّة. أو أن يسعى للرّبح (الماديّ أو غيره) لكي يبدو مميّزاً ومرغوباً، متجاهلاً أنّه لا يمكن تحقيق الهدف من روح الثقافة وجوهرها إلا ضمن نطاق المجتمع الذي أوجدها في الدرجة الأولى.

 

ولكنّنا نحتاج لمناقشة ديناميّة السلطة وتدرجّاتها وكيفيّة توزيعها بين الأفراد ضمن الوسط الاجتماعيّ إذا أردنا فعلاً فهم طريقة عمل الانتحال الثقافيّ. فالعِرق والنوع الاجتماعيّ والميول الجنسيّة هي متغيّرات يتمّ من خلالها توزيع السلطة والامتيازات، وهو ما يقود لتهميش بعض الناس في نهاية المطاف.

 

أمّا فيما يتعلّق بالانتحال الثقافيّ، يعتبر العِرق هو ضابط الإيقاع الرئيسيّ، وذلك بسبب التاريخ العنيف ضدّ الأشخاص الملوّنين.

 

وبناءً على ما سبق، فإنّه وعندما ينتحل شخص أبيض البشرة ملامحَ أفريقيّة، لن يُعتبر هذا التصرّف انتحالاً ثقافيّاً إلا في حالةٍ واحدة، وهي ألا يعترف هذا الأبيض بفضل الأفريقي! علماً أنّ الأفريقيّ كان مُحتلّاً من قبل الأبيض فيما مضى، وهو ما يجعله يشعر بالتفوّق والسلطة وفق ميزان القوى العالميّة.

 

عندما لا يعترف صاحب الامتيازات بالطرف الآخر، فإنّه يسمح لنفسه أن يربح على حساب ثقافة هذا الآخر المهمَّش، وهو ما يحصل بطريقة ما كان ليمكن لأفراد من المجتمع الأصلي أن يقوموا بها بسبب أخلاقيّاتهم الراسخة التي قد لا يمتلكها أصحاب الامتيازات.

 

بينما سيعتبر الأمر انتحالاً ثقافيّاً إذا لم يتمّ الاعتراف بالثقافة المهمّشة ودعمها، لأنّ التبادل الثقافي يقتضي أن نضع الطرفين في ملعب واحد بعد أن توزّع السلطة بينهما بشكل عادل تماماً.

 

نجدُ مثالاً جيّداً على الانتحال في حالة الفنّانين الأمريكيّين المنحدرين من أصول أفريقيّة، الذين كانوا دائماً الذوّاقين الثقافيّين في المجتمع الأمريكيّ. ومع ذلك، فإنّ شركات التسجيل جعلت الأمر يبدو شبه مستحيل بالنسبة لهم أن يكونوا سادة أنفسهم، لأنّهم كانوا قلقين أن تُعجَب بهم النساء البيضاوات، وذلك بكلّ بساطة لم يكن مقبولاً بسبب الـ…. عنصريّة! ولذلك فإنّ الفنانين البيض راحوا ينتحلون أغانيهم ويربحوا منها بدلاً عنهم! وهو السبب في أنّ معظمنا يعرف إلفيس بريسلي ولم يسمع حتّى شيئاً عن Big Mama Thornton.

 

Big Mama Thornton circa 1950, Courtesy of PhotoFest

 

مثال آخر على هذا الانتحال هو استخدام العمائم في مجال الأزياء! إذْ استخدم مارك جاكوبس العمائم كجزء من زيّ عارضاته مؤخّراً، وبدلاً من إظهار امتنانه لمصدر إلهامه من مسلمين أو سيخ، أو أن يقوم بأيّ توعية تتناول معاناتهم في القضايا العالميّة؛ قام بإهداء هذا العمل لـ Kate Moss والعمامة التي ارتدتها إلى معرض Met Gala.

 

قد يُعتقَد أنّ سرقة الموسيقى أو تصاميم الألبسة هي الأسوأ على الإطلاق، إلّا أنّ الأمر الأشدّ صعوبةً هو عندما يُنظر للمهمَّشين أنفسهم على أنّهم أغراض يمكن استخدامها كإسسوارات من قبل أصحاب الامتيازات! مثلما حصل في الحملة الأخيرة لـ Dolce and Gabbana التي تمّ تصويرها في ديرا بعدسة مصوّر أبيض مع مهاجرين جنوب آسيويّين تمّ استخدامهم كمجرّد إكسسوارات في خلفيّة المشهد!

 

كان دور هؤلاء الآسيويّين في التصوير هو أن يبدوا متراصفين إلى جانب الفخامة، في الوقت الذي أخذ فيه المؤثّرون وضعيّات منمّقة بملابسهم الأنيقة التي سيربحون منها هم و Dolce and Gabbana على السواء، بينما سوف لن يربح الأقليّات ولن يستفيدوا من هذه الحملة شيئاً مثل باقي الأطراف! حتّى إذا استفاد الرّجال الموجودون في الخلفيّة من أيّ عائداتٍ مادّية فإنّ الحملات لا تفيد أبداً في حلّ مشكلة العنصريّة التي تواجههم بشكل متكرّر. في الواقع إنّ كلّ ما تفعله هذه الحملات هو أنّها تشير فقط إلى وضعهم المتدنّي اجتماعيّاً.

 

 

أنا شخصيّاً لا استطيع التفكير بمعادلة تبرّر استخدام الناس بالطريقة التي تفعلها Dolce and Gabbana دون أن يُعتبروا عنصريّين. ولكن عندما يتعلّق الأمر بانتحال عناصر ثقافيّة أخرى مثل الأغراض والأطعمة والفن والرّموز وأسلوب الحياة الثقافيّة، وجدل حول مفهوم الملكية الذي يأتي للواجهة، مع سؤال أساسيّ حول ما يمكن لحضارة ما أن تطالب به، وعمّن لديه السلطة لتطبيق أيّة مجموعة من القوانين التي تملي كيفية استخدام الملامح الثقافيّة، ومن قبل من وبأيّ طريقة!

 

وهنا يصبح الأمر صعباً لأنّه لا يوجد إجابة واحدة أكيدة، فالمجتمعات اختلطت باستمرار كما يخبرنا التاريخ، لدرجة أنّ العديد من ثقافاتنا الحديثة هي في الواقع اندماجٌ لمئات الثقافات الأخرى.

 

ودون أن نتجاهل تاريخ العالم المليء بالاستعمار والعبوديّة، ودون أن نحتفل به أيضاً؛ تعتبر مشاركة الحضارة فيما بيننا أمر بنينا عليه مدنيّتنا بأكملها. ولذلك فإنّ التبادل الثقافيّ والحضاريّ هو ضروريّ من أجل التطوير على أرض الواقع. وسيستمرّ التبادل الثقافيّ بالحدوث ما استمرّت الهجرة وسيبقى ما بقي الأنترنت.

 

وإذا أردنا أن نكون منطقيّين، حتّى ولو كان بشكل وقحٍ لدرجة ما، فإنّنا نلاحظ أن العولمة تنتشرُ وتتوسّعُ في عالمنا، ولذلك فإنّنا متوجّهون لوقت تصبح فيه الحدود بين الحضارات غير واضحة المعالم، ممّا يصعّب مهمّة تعريف ملكية الثقافة مع مرور الوقت.

 

وعليه فإن السؤال الذي يجب طرحُه هنا لا يجب أن يكون متعلّقاً بحدود الملامح الثقافيّة، بقدر تعلّقه بماهيّة من يجتاز هذه الحدود، وبالسلطة التي تراقب ثقافات الناس وتقرّر بشأنها. ووضع موضوع الملكية تحت المجهر أمرٌ قد يسهم قليلاً في إغناء هذا النقاش. إنّها تلهي عن العنصريّة التي تقبع في عمق النقاش، وتُبعِدنا عن أيّ حلّ ممكن لهذه المشكلة.

 

أعتقد أنّنا نناقش الملكية الآن بسبب كون الانتحال الثقافيّ ما يزال غير مفهوم. إذْ يتمّ النظر إليه باعتباره هجوماً مضادّاً لمشاركة الثقافة بقدر يتركّز في الواقع على مهاجمة العنصريّة. فالتبادل الحضاريّ والانتحال الثقافيّ أمران يجب أن يتمّ تشجيعهما بشكل دائم.

 

إنّه من المرفوض حقّاً أن تتمّ الاستفادة من المهمّشين دون إعطائهم ضمانات واضحة، أو دون دفع مستحقّاتهم. فالعنصريّة في الأساس هي عدم الاعتراف بحقّ الآخر ممّن هو أقلّ حظّاً (سواء أكانَ ذلك بشكل متعمّد أو بسبب الجهل). إنّك تنقل لهم رسالة مفادها أنّهم غير مقدّرين بما يكفي، حتّى من خلال ملامح ثقافتهم الخاصّة؛ عندما تقوم بانتحال ثقافة أشخاص آخرين. 

 

بكلمات أبسط: عندما ينتحل شخص ما صفات من أشخاص آخرين؛ يتجاهل ديناميّات السيطرة لهذا العالم، ولا يكترث لامتيازاته الخاصّة، ويقلّل بطبيعة الحال من قيمة الأشخاص الذين قام بتهميشهم. 

 

من الإنصاف والعدل ألا يقوم الشخص بانتحال ثقافة أخرى، وهذا ليس صعباً فعلاً..فلسنا مُتبارين في ملعبٍ واحدٍ في نهاية المطاف، ولذلك كان من الضروري أن نتصرّف تبعاً لظروفنا وحياتنا. كلّ منّا يتبع قواعد اجتماعيّة محدّدة لسبب وحيد هام: الإنسانيّة.

 

وختاماً، إذا كُنّا نستطيع كفّ الأذى عن غيرنا، بسبب التزاماتنا الأخلاقيّة الرّاسخة، مثل كوننا لا نسرق ميراث عائلة صديق لأنّ السّرقة أمر غير مقبول، ولأنَّ الشيء المسروق يحمل قيمة عاطفيّة؛  فبإمكاننا الامتناع عن انتحال الثقافات الأخرى بالتأكيد.

شارك هذا المقال