ما كان أهلنا يسمّونه قديمًا “حسدًا” أو “عينًا تراقبك أكثر من اللازم”، صار جيل زد اليوم يسمّيه
Monitoring Spirits — أي “أرواح المراقبة”. لم يأتِ هذا المصطلح من مفكّر بعينه أو من قصة فيروسية محددة، بقدر ما خرج بهدوء من العقل الجمعي للإنترنت لوصف تجربة مشتركة. وكحال معظم مفردات جيل زد، وُلد المصطلح بشكل عفوي على تيك توك ومنصّة X، كنكتة نصف جادّة ونصف تشخيص نفسي، لوصف أشخاص يراقبون حياتك عن قرب من دون أن يشاركوا فيها، أو يدعموها، أو حتى يعترفوا بوجودها. يبدو التعبير في البداية خفيف الظل، إلى أن تدرك مدى دقّته في توصيف ما صنعته منصّات مثل إنستغرام من تحوّل في معنى الظهور اليومي. تنشر صور أظافرك الجديدة، أو بداية علاقة بشكل خجول، أو وظيفتك الجديدة، أو ذلك اللوك الوحيد الذي شعرت فيه بالثقة هذا الأسبوع، وفجأة تجد جمهورًا صامتًا لا يضغط إعجابًا، ولا يعلّق، لكنه يلتقط كل تفصيلة وكأنها وظيفة جانبية غير مدفوعة الأجر. ليس لأنهم يتمنّون لك الأذى بشكل كرتوني شرير، بل لأن انتباههم يبدو ثقيلًا، استهلاكيًا، وحميميًا بشكل مزعج لأشخاص لن يرسلوا لك حتى رسالة تهنئة في عيد ميلادك أو يسألون عنك لو ساءت الأمور.
إذا تحدثت اليوم مع أي مبدع أو صانع محتوى، ستسمع الشكوى نفسها: بالكاد يصل المنشور إلى مئة إعجاب، رغم أن الإحصاءات تُظهر مرور آلاف العيون عليه. الأرقام لا تتطابق، والشعور أسوأ، لأن الجميع يراقب كل شيء من دون أي تفاعل، ما يخلق حالة غريبة من “البرزخ الرقمي” حيث تصبح الرؤية أقرب إلى المراقبة منها إلى التواصل.
قبل سنوات قليلة، كان إنستغرام هو المكان الذي تلجأ إليه إن أردت أن ينتشر محتواك، وهو المنصّة التي صنعت جيلًا كاملًا من المؤثّرين الذين بنوا مسيراتهم على الإعجابات والتعليقات. اليوم، حتى أولئك الذين كانوا يتربّعون على عرش التطبيق يجدون صعوبة في التواصل مع جمهورهم، يمرّرون على منشوراتهم كما يفعل الجميع، متسائلين أين اختفى الجمهور ولماذا يبدو التطبيق فجأة وكأنه يعاني حساسية روحية من التفاعل.
الهجرة الكبرى إلى منصّات أخرى مثل تيك توك لم تحدث لأن المبدعين شعروا بالملل، بل لأن البيئة أصبحت خانقة. على تيك توك، يتفاعل الناس معك فعلًا، يدعمونك، ويتعاملون مع المحتوى كحوار لا كمعرض صور. أما على إنستغرام، فيبدو أن هناك تحوّلًا نفسيًا جماعيًا جعل الناس يستهلكون بصمت لأنهم لا يريدون “منح طاقة”، أو “تغذية الأنا”، أو المساعدة — ولو عن غير قصد — في نجاحك. آداب السوشيال ميديا الجديدة هي المراقبة الصامتة، وهو سلوك يبدو بريئًا إلى أن نلاحظ كم يشبه لغة “العين والحسد”، أي الاعتقاد بأن نظرة شخص ما يمكن أن تؤثر في حظك لمجرد أنها موجّهة إليك بلا ودّ ولا نية طيبة.
تاريخيًا، كانت العين والحسد يُنظر إليهما بوصفهما قوى حقيقية وخطيرة، متجذّرة في تصوّرات متوسطية وشرق أوسطية وجنوب آسيوية، حيث كان يُعتقد أن الغيرة أو الإعجاب أو العداء يمكن أن يؤثر فعليًا في الجسد والصحة والخصوبة والرزق. لكن إلى جانب التفسير الروحي، كان هذا الاعتقاد يؤدّي أيضًا وظيفة اجتماعية: التحذير من الظهور المفرط، ومن الاستعراض الزائد، ومن التعرّض لنظرات الآخرين بلا حماية. وبهذا المعنى، لم يناقض إنستغرام فكرة العين، بل ضاعف شروطها إلى حدّ شبه عبثي. الإنترنت سرّع وتيرة الرؤية، ووسّع نطاقها، بحيث يمكن لصورتك أن تصل إلى آلاف الأشخاص في ثوانٍ. ما كان يومًا خوفًا على مستوى القرية من كثرة الانكشاف، أصبح اليوم خوفًا عالميًا، حيث يستقبل منشور واحد آلاف النظرات — الداعمة، والمحايدة، والحاقدة، والمحلِّلة بصمت — في اللحظة نفسها.
نشأ جيل زد وهو يراقب قوائم مشاهدي القصص تتحدّث لحظة بلحظة، متعلّمًا بالضبط من يراقب، ومن يتربّص، ومن يعرف كل تفاصيل حياتك من دون أن يعرفك فعلًا. التجربة غريبة فعلًا: لماذا حبيبك السابق، ومديرك القديم، وفتاة التقيتِ بها مرة واحدة في حمّام نادٍ قبل خمس سنوات، حاضرون روحيًا في كل لحظة مهمّة من حياتك؟ وعندما تسوء الأمور بعد منشور ما — أظافر تتكسّر، علاقة تنهار، رحلة تتأجّل بلا سبب — يبدو التفسير جاهزًا، وتصبح الخرافة أكثر صدقًا نفسيًا من الادعاء بأن المنصّة لا تعبث بأعصابك.
والمثير أن الجيل المولود بين 1997 و2012 لا يؤمن بالعين أقل من أهله، بل ربما أكثر، ولكن بطريقة أوسع وأكثر تنوّعًا. نشأ هذا الجيل في عالم مثقل بعدم الاستقرار الاقتصادي، والقلق المناخي، والانهيارات السياسية، وفوضى الخوارزميات، فمال بقوة أكبر إلى الروحانيات، والتنجيم، وقانون الجذب، وطقوس الحماية لمحاولة فهم واقع يبدو خارج السيطرة. تقرير حديث لـForbes Health وجد أن نحو 69% من أبناء جيل زد يمارسون طقوس “التجلّي” (manifestation)، فيما تشير دراسات أخرى إلى أن نحو 80% من جيل زد والجيل الألفي الأصغر يؤمنون بالتنجيم ويعتمدون عليه في شؤون العلاقات والعمل والحياة الشخصية. في هذا السياق، تدخل العين والحسد بسلاسة إلى هذا النظام الفكري، لأنها تفسّر لماذا يبدو كل شيء هشًّا حتى عندما تفعل كل ما هو “صحيح”.
إنستغرام يعدك بأن الظهور في صالحك، وأن أن تكون مرئيًا هو نوع من رأس المال. لكن التجربة المعاشة تقول إن أن تكون مرئيًا أكثر من اللازم، وبسرعة أكبر من اللازم، أو أمام الأشخاص الخطأ، له تبعات تبدو شخصية حتى لو لم تكن كذلك. قول “ما شاء الله” أو وضع إيموجي العين الزرقاء أسهل من تفكيك كيف تجعل الخوارزميات، والمقارنات، وحالة التفرّج الدائمة، الفرح هشًّا ومكشوفًا. وهو المنطق نفسه وراء إعلان العلاقات بشكل تدريجي، أو إخفاء الأخبار الجيدة حتى تثبت، أو نشر صور السفر بعد العودة إلى البيت والشعور بالأمان العاطفي.
في لحظة ما، يتوقّف الأمر عن كونه خرافة، ويبدأ في الشعور بأنه نوع من الحفاظ على الذات. وعندما يرفض الجمهور المشاركة، يصبح التوقّف عن الأداء هو الردّ المنطقي الوحيد.
اقرأ أيضا اللعبة المسحورة: التاريخ الغريب للسحر واللعنات في كرة القدم