ثمة مفارقة لا تخلو من السخرية في أن تكون «اقرأ» من أوائل الكلمات التي نزل بها الوحي على النبي محمد، ثم نجد أنفسنا، بعد أكثر من 1400 عام، نفعل كل شيء تقريبًا إلا القراءة. أفسد تيك توك قدرتنا على التركيز إلى حد أن آبل قررت، على ما يبدو، أن ما نحتاج إليه الآن هو آيفون قابل للطي بشاشتين. وربما حان الوقت لتذكير الجميع بأن البشر اخترعوا منذ قرون جهازًا مثاليًا قابلًا للطي: الكتاب.
لحسن الحظ، لم يفتقر العالم العربي يومًا إلى الأماكن التي تحتفي بالكتب. فعلى امتداد المنطقة، كانت المكتبات جزءًا من حياة الأحياء، وملتقى للمثقفين والقراء، وأحيانًا منفذًا للأفكار والكتب المثيرة للجدل. بعضها قائم منذ أجيال، مثل مدبولي في القاهرة والحلبي في بيروت، فيما تعيد مكتبات أحدث تصور شكل المكتبة المعاصرة، فتجمع بين الكتب والقهوة والفن، وأحيانًا الكوكتيلات. من بيت إماراتي عمره أكثر من قرن إلى رفوف مكتظة بالكتب في عمّان، هذه مجموعة من المكتبات العربية التي تستحق أن تغلق من أجلها بعض النوافذ المفتوحة على هاتفك.
Zerzura Books and Prints – دبي
إذا كنت ممن يستمتعون بالتنقيب بين الرفوف بحثًا عن كتاب لن تجده بسهولة في مكان آخر، فقد تستحق Zerzura بضع ساعات من وقتك. أسسها تاجر الكتب النادرة أليكس وارن في السركال أفنيو بدبي، وتُعد أول مكتبة متخصصة في الكتب النادرة في المدينة. تضم رفوفها طبعات أولى ونسخًا موقعة وكتب أطفال قديمة وخرائط ومطبوعات ومجلات، إلى جانب كتب توثق الشرق الأوسط.
استمدت المكتبة اسمها من «زرزورة»، الواحة الأسطورية المفقودة التي بحث عنها مستكشفون أوروبيون في الصحراء غرب النيل، وهو اسم مناسب لمكان تقوم متعته على اكتشاف ما لم تكن تتوقع العثور عليه.
وتتغير مقتنيات Zerzura باستمرار. فمن بين الكنوز التي مرت على رفوفها طبعات أولى من «الخيميائي» و«إله الأشياء الصغيرة»، ونسخة نادرة موقعة تعود إلى عام 1998 من «هاري بوتر وحجرة الأسرار». ولا تقتصر المجموعة على الكتب، إذ تضم أيضًا مطبوعات سفر قديمة عن الشرق الأوسط، وصورًا فوتوغرافية ومجلات وخرائط وملصقات أفلام عربية، بينها تذكارات من السينما المصرية واللبنانية.
بيت الأول – الكتبخانة، الشارقة
الشارقة هي على الأرجح المكان الأنسب لوضع مكتبة داخل بيت إماراتي يتجاوز عمره مئة عام. تقع «الكتبخانة» داخل «بيت الأول»، المشروع الثقافي والمطعم الذي جاء برؤية الشيخة بدور القاسمي، وافتُتح في قلب الشارقة في فبراير 2025.
كان المبنى يُعرف سابقًا باسم «بيت المزروع»، ويطل على خور الشارقة من ساحة المريجة. وعند ترميمه عام 2024، جرى الحفاظ على كثير من تفاصيله المعمارية الأصلية، من الجدران السميكة والأبواب الخشبية إلى الفناء التقليدي.
المكتبة صغيرة ومختارة بعناية، وتضم كتبًا بالعربية والإنجليزية عن تاريخ المنطقة وفنونها وآدابها وثقافتها، بما في ذلك مؤلفات توثق الإمارات والخليج، وترجمات إنجليزية لأعمال حاكم الشارقة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي.
وتنسجم المجموعة مع الفكرة الأوسع لـ«بيت الأول»، الذي يستعيد تاريخ الشارقة بوصفها ميناءً تجاريًا شهد حركة البشر والمعارف والأشياء عبر طرق التجارة القديمة. وحتى اسم المكان يحيل إلى المسافر الذي يعود إلى وطنه محملًا بالقصص والاكتشافات.
مكتبة الحلبي – بيروت
بدأت حكاية مكتبة الحلبي في منطقة قصقص عام 1958، عندما افتتح حسين الحلبي، المعروف بأبو نظمي، متجرًا صغيرًا في الحي يبيع المواد الغذائية إلى جانب الصحف والمجلات والدوريات. وفي أوائل التسعينيات، تولى ابنه عبد الله إدارة المكان وبدأ بإضافة الكتب، كهواية في البداية، قبل أن تتضخم المجموعة إلى حد أصبحت معه الكتب والمقتنيات، بحلول مطلع الألفية، مكدسة فوق بعضها حرفيًا.
دخلت المكتبة مرحلة جديدة عندما انضمت لانا الحلبي، ابنة عبد الله، إلى العمل العائلي عام 2014، ثم أشرفت على تجديد المكان بداية من 2016، مع الحفاظ على طابعه القديم.
تبيع مكتبة الحلبي اليوم كتبًا جديدة ومستعملة ونادرة وقديمة، فضلًا عن عناوين لم تعد تُطبع، باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية. وتتميز خصوصًا بمجموعاتها عن الكتّاب اللبنانيين وتاريخ لبنان والحرب الأهلية وفلسطين والسياسة والفن والأدب. وهناك أيضًا مجلات وقصص مصورة وكتب أطفال ومقتنيات لبنانية يصعب العثور عليها في مكان آخر، ما يجعل فكرة الدخول «لشراء كتاب واحد فقط» غير واقعية إلى حد كبير.
أزبكية عمّان – عمّان
قبل أن تكون لأزبكية عمّان رفوف، كان لها رصيف. بدأ مؤسسها حسين ياسين ببيع الكتب المستعملة على بسطة في أحد شوارع العاصمة الأردنية، قبل أن يحول الفكرة في أوائل العقد الثاني من الألفية إلى مكتبة دائمة. وكان الدافع بسيطًا: الكتب أصبحت أغلى من قدرة كثير من الشباب الأردني على شرائها.
استلهم ياسين الاسم والفكرة من سور الأزبكية الشهير في القاهرة، سوق الكتب المستعملة التاريخي المعروف بأسعاره المنخفضة وكتبه النادرة والعناوين التي لم تعد تُطبع.
بدأ المشروع بشراء نحو 100 ألف كتاب، مع الحرص على إبقاء الأسعار في متناول القراء. ثم خرجت أزبكية عمّان من حدود مقرها عبر مئات معارض الكتب المؤقتة في الجامعات ومناطق مختلفة من الأردن.
ويمكن بسهولة قضاء ساعات بين رفوفها التي تجمع الأدب العربي والتاريخ والسياسة والفلسفة والروايات المترجمة وكتب الأطفال، مع فرصة العثور بين حين وآخر على نسخة نادرة أو كتاب لم يعد متداولًا. وعلى مر السنوات، قدّر ياسين أن المشروع باع أو وزع مجانًا أكثر من مليون كتاب.
مكتبة مدبولي – القاهرة
قليل من المكتبات يمكنها الادعاء بأنها أسهمت في تشكيل الحياة الفكرية لمدينة، لكن مدبولي اكتسبت هذه المكانة على مدى عقود.
قبل أن يصبح محمد مدبولي واحدًا من أشهر بائعي الكتب والناشرين في مصر، كان طفلًا في السادسة يبيع الصحف إلى جانب والده في وسط القاهرة خلال أربعينيات القرن الماضي. وفي عام 1951، حصلت العائلة على كشك في ميدان طلعت حرب، حيث باع مدبولي وشقيقه أحمد الصحف والمطبوعات المستوردة لرواد وسط البلد. ثم دخلت الكتب إلى المشهد تدريجيًا، إلى أن تحول المشروع إلى مكتبة مدبولي الشهيرة، إحدى علامات وسط القاهرة.
لكن شهرة مدبولي ارتبطت قبل كل شيء بما كان يمكن العثور عليه داخلها. فقد عُرف محمد مدبولي بقدرته على توفير الكتب النادرة والمثيرة للجدل وتلك التي يصعب العثور عليها، فيما نشرت داره أعمالًا في السياسة والفلسفة والأدب والفكر الاجتماعي.
وأصبحت المكتبة مقصدًا لأجيال من المثقفين المصريين والعرب، وكان نجيب محفوظ من أشهر زوارها. رحل مدبولي عام 2008، لكن اسمه بقي جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الكتاب في القاهرة.
Lulu & The Beanstalk – دبي
مكتبة ومقهى وحانة في مكان واحد؛ ربما هذا ما يحدث عندما تقرر مخرجتان أن الحكايات لا تحتاج دائمًا إلى شاشة.
افتتحت الشقيقتان وفاء وأميرة تاج الدين Lulu & The Beanstalk داخل ICD Brookfield Place في مركز دبي المالي العالمي عام 2022، لتجمعا في مساحة واحدة الكتب والقهوة والكوكتيلات والطعام والموسيقى.
استمد المكان اسمه من جدتهما «ماما لولو»، التي شكّل حبها للحكايات جزءًا مهمًا من طفولتهما. والمفارقة الجميلة أنها لم تكن تعرف القراءة أو الكتابة، لكنها، بحسب وفاء، كانت حكّاءة استثنائية.
استعادت الشقيقتان ذكريات منزلها، حيث كان الطعام والحديث والحكايات حاضرة باستمرار، وحولتاها إلى مساحة مرحة صُممت بالتعاون مع المصممة جيني أسكنفورس من استوديو BOFINK في ستوكهولم.
والكتب هنا ليست مجرد جزء من الديكور. ثمة مكتبة منتقاة بعناية وسط أثاث متنوع وجدران مزخرفة ورفوف مليئة بالتفاصيل، ما يجعل المكان أقرب إلى غرفة معيشة غريبة ومحببة منه إلى مساحة تقع أسفل الأبراج الزجاجية لمركز دبي المالي العالمي.
نهارًا، يمكنك الاختفاء بين صفحات كتاب مع فنجان قهوة، وفي المساء تتقدم الموسيقى والكوكتيلات إلى الواجهة. وربما يكون من الأماكن القليلة في دبي التي يبدو فيها طلب مشروب آخر وقراءة فصل آخر طريقتين منطقيتين بالقدر نفسه لإنهاء اليوم.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.