في قلب حيّ بريمروز هيل اللندني، أحد أكثر الأحياء ارتباطًا بالمشهد الأدبي والإبداعي في المدينة، تحوّل الفنانة الفلسطينية-الأردنية رايا قسيسيّة مفهوم السكون إلى تجربة حسية متحركة. في معرضها الجديد “Stasis”، الذي افتُتح في أكتوبر خلال أسبوع “فريز” الفني بصالة Gallery44، تقدّم الفنانة حصيلة سبعة أسابيع من الإقامة الفنية التي تحوّل خلالها المكان إلى فضاء واحد متكامل بين العيش والإبداع، كما تصفه قائلة: «كان المنزل مساحة واحدة متصلة للفكر وصنع المعنى».
تجربة الإقامة هذه لم تكن مجرد عزلة فنية، بل مختبرًا حيًّا لإعادة التفكير في العلاقة بين المادة والحركة، بين التأمل والفعل. في الأعمال المعروضة – التي تتنوّع بين اللوحات الزيتية والأكريليك، والمنحوتات الليفية، والأعمال الورقية – تستكشف قسيسيّة إيقاع التكرار وبنية الزمن، لتعيد تعريف العلاقة بين التفكير والإبداع بوصفها فعلًا واحدًا متدفقًا. تنبض هذه الأعمال بهدوءٍ عميق، حيث تمتزج الحزن والتأمل والبعث في حركة بصرية لا تهدأ رغم سكونها الظاهري.

Supplied
خلال فترة إقامتها في بريمروز هيل، وجدت الفنانة نفسها مأخوذة بروح الحيّ الأدبية، وبالأخصّ بحضور الشاعرة الأميركية الراحلة سيلفيا بلاث التي انعكست ظلالها في عدد من اللوحات. عنوان المعرض نفسه، “Stasis”، يشير إلى تلك اللحظة الدقيقة بين التوتر والانفراج، بين الصمت والنَفَس، حيث تتحوّل الثبات إلى طاقة خفيّة.
ولدت رايا قسيسيّة في عمّان عام 1991، وتنحدر من أصول فلسطينية-أردنية. تعمل بين لندن وعمّان، وتستند في ممارستها الفنية إلى تقاطع النحت والنسيج والسرد. مستلهمة من خلفيتها في فنون الأقمشة والتراث الفلسطيني، تستكشف قسيسيّة «سياسة الجسد» من خلال التعامل مع المواد اللينة والصلبة على حدّ سواء – من الحرير والصوف إلى النحاس والفولاذ – لتعيد صياغة الجسد بوصفه كيانًا قابلاً للتحوّل والتفكك وإعادة البناء.
في أعمالها، لا يكون الجسد تمثيلًا بل مساحة للتفاوض بين الهوية والمقاومة، بين الذاكرة والتجدد.
تتجلّى في أعمالها أيضًا حساسية مادية مدهشة: ملمس الأقمشة، ثقل المعدن، وتوازن الكتلة والفراغ. فهي لا تبحث فقط عن الشكل، بل عن الإيقاع الداخلي للمواد، عن لحظة التماس بين الفكرة والمادة، بين السكون والحركة. يقول النقّاد إن أعمالها تنقل «شعرية الجسد» من رمزيته التقليدية إلى لغة ملموسة تُقرأ بالعين وتُحسّ باليد.

Supplied
شاركت قسيسيّة في عدد من المعارض الإقليمية والدولية البارزة، من بينها بينالي الفن الإسلامي في جدة (2025)، ومعرض Hunna Art في الكويت (2024)، إضافة إلى عروض في لندن ودبي وعمّان. وتأتي إقامتها ضمن برنامج صالة Gallery44 لدعم الفنانين الصاعدين والمُمثّلين تمثيلًا ناقصًا من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من خلال بيئة هجينة تتيح للفنانين العيش والعمل والعرض داخل منزل تراثي أعيد ترميمه، في نموذج نادر يجمع بين الحميميّة والتجريب.
أسّست الصالة جينو مراد بهدف تقديم تجربة فنية تُعيد تعريف العلاقة بين الفنان والجمهور، حيث يتحوّل المكان من صالة عرض إلى مساحة فكرية ومعيشية تُتيح للفنان أن يصوغ لغته الخاصة في حوارٍ يوميّ مع المدينة.
معرض “Stasis” يستمر حتى 29 أكتوبر 2025 في Gallery44، الكائنة في 44 شارع شالكوت، بريمروز هيل – لندن، حيث يتحول السكون بين جدرانها إلى إيقاع نابض بالفكر والذاكرة والحضور. في هذه المساحة، لا تعود الحركة مجرّد فعل جسدي، بل فعل وعي وإحساس، ومغامرة في تحويل الثبات إلى شكلٍ جديد من الحياة.