رغم أن المراهنات لا تزال تُعد محرّمة لدى غالبية علماء الدين الإسلامي، فإن ذلك لم يمنعها من التحول إلى صناعة عالمية تزداد انتشارًا عامًا بعد عام. ومع ظهور منصات التنبؤ الحديثة مثل «بولي ماركت» (Polymarket)، لم تعد المراهنة تقتصر على توقع نتائج المباريات، بل أصبحت تشمل كل شيء تقريبًا؛ من الانتخابات والأحداث السياسية إلى الأزمات الدولية والبطولات الرياضية.
ومع انطلاق كأس العالم 2026، تدفقت ملايين الدولارات إلى أسواق التوقعات المرتبطة بالبطولة، مدفوعة بقناعة شائعة مفادها أن فهم كرة القدم كفيل بهزيمة الرهانات. لكن كرة القدم، كما تثبت مرارًا، لا تعترف بالمنطق دائمًا.
فهدف متأخر، أو لحظة فردية استثنائية، أو خطأ غير متوقع، قد يكون كافيًا لتحويل أكثر الرهانات أمانًا إلى كارثة مالية. وخلال الأيام الأولى من البطولة، خسر بعض المستخدمين مبالغ ضخمة بعدما راهنوا على نتائج بدت شبه محسومة قبل صافرة البداية.
هولندا واليابان.. 2.7 مليون دولار تتبخر في الدقيقة 89
في 14 يونيو، راهن مستخدم يحمل اسم «فليك راو» (FlickRaw) بمبلغ 2.7 مليون دولار على فوز هولندا أمام اليابان.
وبدا كل شيء يسير وفق الخطة. فالمنتخب الهولندي دخل المباراة مرشحًا بقوة، ونجح في التقدم مرتين خلال الشوط الثاني. ومع اقتراب اللقاء من نهايته، كانت الملايين المراهن عليها تبدو في طريقها للتحول إلى عائد ضخم.
لكن اليابان كان لها رأي آخر.
ففي الدقيقة 89 سجل المنتخب الياباني هدف التعادل، لتنهار واحدة من أكثر الرهانات أمانًا في البطولة خلال لحظات. وبينما كان صاحب الرهان ينتظر عائدًا قد يصل إلى نحو 5.8 ملايين دولار، وجد نفسه أمام خسارة كاملة بلغت 2.7 مليون دولار.
بلجيكا ومصر.. عندما لا تتعلم من خسارتك الأولى
يبدو أن خسارة الملايين لم تكن كافية لردع «فليك راو».
فبعد أقل من 24 ساعة فقط، عاد المراهن نفسه ليضع 1.5 مليون دولار على فوز بلجيكا أمام مصر، متوقعًا أن يحقق عائدًا يقارب 2.4 مليون دولار.
لكن المنتخب المصري باغت الجميع بهدف رائع في الشوط الأول، ليضع الرهان في موقف صعب منذ البداية. ورغم نجاح بلجيكا في إدراك التعادل عبر هدف عكسي، فإنها فشلت في تسجيل هدف الفوز.
انتهت المباراة بنتيجة 1-1، وخسر المراهن مبلغًا إضافيًا قدره 1.5 مليون دولار.
وخلال أقل من يومين، تحولت خسائره الإجمالية إلى أكثر من 4.2 ملايين دولار، في واحدة من أكثر القصص تداولًا خلال البطولة حتى الآن.
إسبانيا والرأس الأخضر.. مليون دولار على نتيجة «مضمونة»
في مواجهة اعتبرها كثيرون من أكثر مباريات دور المجموعات تفاوتًا في المستوى، قرر أحد المستخدمين استثمار مليون دولار على فوز إسبانيا أمام الرأس الأخضر.
فعلى الورق، بدا الرهان منطقيًا للغاية: منتخب بطل للعالم في مواجهة منتخب يخوض أول مشاركة له في كأس العالم.
لكن كرة القدم لا تُلعب على الورق.
انتهت المباراة بالتعادل السلبي، وتبخر المليون دولار بالكامل.
المفارقة أن مستخدمًا آخر اختار الاتجاه المعاكس تمامًا، وراهن على تعثر إسبانيا وعلى عدم خسارة الرأس الأخضر بفارق كبير. وبينما بدت رهاناته أقرب إلى المغامرة، انتهت المباراة لصالحه، ليحول استثمارًا بلغ نحو 4.2 ملايين دولار إلى ما يقارب 9 ملايين دولار.
مرة أخرى، أثبتت كرة القدم أن الفرق بين العبقرية والجنون لا يظهر إلا بعد صافرة النهاية.
الأرجنتين والجزائر.. رهان ضد ميسي
على عكس بقية المراهنين الذين وضعوا أموالهم خلف المنتخبات المرشحة، قرر أحد المستخدمين خوض مغامرة مختلفة تمامًا.
فقد راهن بمبلغ 1.2 مليون دولار على عدم فوز الأرجنتين أمام الجزائر، أي أنه كان بحاجة إلى تعادل أو مفاجأة جزائرية حتى ينجح رهانه.
لكن الرهان تجاهل عاملًا مهمًا للغاية: ليونيل ميسي.
النجم الأرجنتيني قدّم واحدة من أفضل مبارياته في البطولة وسجل ثلاثية كاملة، ليقود منتخب بلاده إلى فوز مريح بنتيجة 3-0.
ومع صافرة النهاية، اختفى مبلغ 1.2 مليون دولار بالكامل، لينضم هذا الرهان إلى قائمة أكثر رهانات البطولة جرأة… وربما أكثرها تهورًا أيضًا.
في النهاية، أعادت الأيام الأولى من كأس العالم 2026 التذكير بحقيقة يعرفها كل عشاق اللعبة: لا شيء مضمون في كرة القدم. فالمباريات التي تبدو محسومة قد تنتهي بمفاجآت مدوية، والنتائج المتوقعة قد تنقلب في ثوانٍ.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبقى كرة القدم اللعبة الأكثر إثارة في العالم؛ لأنها لا تكافئ دائمًا من يعتقد أنه يعرف كل شيء.