لديّ موهبة لا أعرف إن كان ينبغي أن أفخر بها: أستطيع تحويل أبسط قرار في حياتي إلى أزمة وجودية كاملة.
أين أعيش؟ هل أترك هذه الوظيفة؟ هل أبقى؟ هل أرحل؟ من أحب؟ هل أرسل هذه الرسالة؟ هل كان يجب أصلًا أن أرسل الرسالة السابقة؟ وماذا لو كان القرار الآخر أفضل؟
عقلي، الذي يبدو عاجزًا عن اتخاذ قرار من دون أن ينتج فورًا سبعة عشر سيناريو كارثيًا محتملًا، أقنعني لسنوات بأن الحل بسيط: فكّر أكثر. إذا حللت كل شيء بما يكفي، وراجعت جميع الاحتمالات، وفتحت ما يكفي من علامات التبويب داخل رأسك، فلا بد أنك ستصل في النهاية إلى «القرار الصحيح»؛ ذلك الخيار الأسطوري الذي لا خسائر فيه، ولا آثار جانبية، ولا يجعلك تحدق في السقف عند الثانية صباحًا متسائلًا: هل أفسدت حياتي للتو؟
استغرق مني الأمر قرابة ثلاثة عقود لأكتشف أن هذا القرار غير موجود.
ربما سنندم، في النهاية، على معظم الأشياء التي نفعلها. ولو قليلًا.
ليس لأننا سنتخذ دائمًا قرارات خاطئة، بل لأن كل «نعم» نقولها لشيء ما تحمل في داخلها «لا» لأشياء أخرى. كل طريق نسلكه يعني أن طرقًا أخرى ستظل مجهولة. ومهما أحببنا الحياة التي اخترناها، سيجد العقل دائمًا نافذة صغيرة يطل منها على الحياة التي لم نعشها ويسأل، بخبث شديد: وماذا لو؟
انتقل إلى مدينة جديدة، وستشتاق إلى بيتك. ابقَ في بيتك، وستتساءل عمّن كان يمكن أن تصبح في مكان آخر. اترك وظيفة تكرهها، وستقضي الأسابيع التالية مذعورًا من احتمال أنك ارتكبت أكبر خطأ في حياتك. ابقَ فيها لأنها مضمونة، وستتساءل بعد سنوات لماذا لم تكن أكثر شجاعة.
اختر الحب، وقد تشتاق إلى الحرية. اختر الحرية، وقد تشتاق إلى الحب.
باختصار، لا توجد طريقة سهلة للفوز بهذه اللعبة، خصوصًا إذا كان عقلك مدمنًا على التفكير الزائد مثلي.
والأسوأ أنني لست حتى أول شخص يصل إلى هذا الاكتشاف المزعج.
قبل نحو قرنين من رسائل واتساب التي لا يأتيها رد، ومن الأزمات المهنية التي تجعلنا نعيد تقييم حياتنا كاملة في منتصف الليل، كان الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد (Søren Kierkegaard) منشغلًا بالمشكلة نفسها.
في كتابه «إما/أو» (Either/Or) الصادر عام 1843، يأخذ كيركغارد الفكرة إلى أقصى حدودها: تزوج وستندم، لا تتزوج وستندم أيضًا. اضحك على العالم وستندم، ابكِ عليه وستندم كذلك.
أيًا كان ما تفعله، هناك دائمًا حياة أخرى لم تخترها تبدو، من بعيد، أفضل قليلًا.
لكن كيركغارد لا يقول إن كل الخيارات سيئة وإن علينا الاستسلام والوقوف إلى الأبد أمام رف الحبوب في السوبرماركت لأن اختيار نوع واحد يعني التخلي عن بقية الأنواع. فالمشكلة ليست في أن القرار الذي اتخذناه خاطئ بالضرورة، بل في طبيعة الاختيار نفسه.
أن تختار يعني أن تخسر شيئًا.
في اللحظة التي تختار فيها احتمالًا واحدًا، تغلق الباب أمام احتمالات أخرى. لكن هذه الاحتمالات لا تختفي. على العكس، تبدأ حياة جديدة داخل خيالك.
وهناك تحديدًا تصبح خطيرة.
لأن الحياة التي لم نعشها لا تحتوي على صباحات الاثنين، ولا الفواتير، ولا الشجارات السخيفة، ولا المدير المزعج، ولا الوحدة، ولا الأيام التي لا يحدث فيها شيء مثير للاهتمام. إنها نسخة منقحة بعناية من الواقع؛ حياة بديلة كتبنا لها أفضل سيناريو ممكن ثم قارناها، بظلم كامل، بالحياة الحقيقية التي نعيشها بكل عيوبها.
بالطبع ستفوز الحياة المتخيلة.
هي لم تضطر أصلًا إلى المرور باختبار الواقع.
وربما لهذا كنت أطرح على نفسي السؤال الخطأ طوال الوقت. بدلًا من: «ما القرار الذي لن أندم عليه؟»، ربما يجدر بي أن أسأل: «أي ندم أستطيع أن أعيش معه؟»
فالقرارات الكبيرة لا تأتي من دون ثمن. حتى الحصول على الشيء الذي أردته بشدة قد يجعلك، في لحظة ما، تحزن على الشخص الذي كان يمكن أن تصبحه لو أنك أردت شيئًا آخر.
والمثير للدهشة أن هذه الفكرة ليست قاتمة بقدر ما تبدو.
على العكس، هناك شيء محرر في التوقف عن اعتبار الندم دليلًا على أنك أخطأت. ربما لا يعني الندم أن حياتك انحرفت عن مسارها الصحيح. ربما يعني فقط أنك اخترت مسارًا، وأنك واعٍ بما تركته خلفك.
ربما يكون الندم أحيانًا مجرد ظلّ للاختيار.
أمضيت سنوات أتعامل معه كعدو يمكن هزيمته بالتفكير: تحليل إضافي، قائمة أخرى من الإيجابيات والسلبيات، سيناريو جديد، رأي صديق آخر، وسبعة عشر تبويبًا مفتوحًا في رأسي في الوقت نفسه. كنت أتصرف وكأن الإجابة المثالية موجودة في مكان ما، وأن مهمتي الوحيدة هي التفكير بما يكفي للعثور عليها.
لكن ربما يكون النضج هو أن تدرك أن لا إجابة مثالية تنتظرك.
هناك فقط حيوات مختلفة. لكل واحدة منها أفراحها وخساراتها، الأشياء التي تمنحك إياها والأشياء التي تحرمك منها، ونسختها الخاصة من السؤال الذي لا يموت: ماذا لو؟
تزوج أو لا تتزوج. ارحل أو ابقَ. اختر المدينة الجديدة أو عد إلى البيت. أرسل الرسالة أو امسحها قبل أن تصل.
ستتساءل على الأرجح عن الطريق الآخر في مرحلة ما.
لذلك ربما لا نحتاج إلى اتخاذ القرار الذي يحمينا من الندم، بل إلى اتخاذ القرار الذي نريد أن نعيش نتائجه.
لأن «ماذا لو؟» ستظل موجودة في الحالتين.
وعلى الأقل، حين تزورك في الثانية صباحًا، سيكون لديك شيء عشته فعلًا يستحق أن تتساءل بشأنه.