كانت الإجابة التي أمضت سعاد الفردان أسابيع تبحث عنها تسبح أمام عينيها حرفيًا. كانت المصممة الإماراتية في سنتها الجامعية الأخيرة، تحاول التوفيق بين مشروع تخرجها ووظيفتها والتنقل اليومي المرهق بين أبوظبي ودبي. وفي الوقت نفسه، كانت تجري تجارب لإيجاد بديل أكثر استدامة للترتر البلاستيكي؛ جربت قشور الرمان، لكنها تعفنت، ثم انتقلت إلى الحرير، لكنه لم يمنحها النتيجة التي أرادتها.
بعد أسبوع شاق، توجهت إلى السعديات وجلست أمام البحر. هناك، لفتت انتباهها أسماك صغيرة تسبح بالقرب من الشاطئ، فيما كان الضوء ينعكس على قشورها. وتروي لمجلة MILLE: «فكرت فورًا: ترتر. كان الأمر مضحكًا تقريبًا، فقد أمضيت وقتًا طويلًا أبحث عن الإجابة، وما إن استرخيت أخيرًا حتى وجدتها تسبح أمامي حرفيًا».
تلك اللمعة على سطح الماء تحولت لاحقًا إلى Illumire «إيلومير»، مشروع أسسته الفردان في أبوظبي لتحويل قشور السمك التي يجري التخلص منها إلى ترتر يمكن استخدامه في الأزياء. ومنذ إطلاقه عام 2023، انتقل بها المشروع من أسواق السمك المحلية إلى المعارض وأسبوع أبوظبي للاستدامة، ثم إلى نيويورك، حيث أمضت ثلاثة أشهر داخل دار أوسكار دي لا رينتا بعد اختيارها ضمن الفائزين ببرنامج الإقامة «Design Commission Abu Dhabi x Oscar de la Renta».
إنها رحلة لافتة لمشروع بدأ من مخلفات الطعام، لكنها ليست بعيدة عن الطريقة التي اعتادت بها الفردان النظر إلى الأشياء من حولها، والبحث عن إمكانات قد لا يلاحظها الآخرون.
نشأت الفردان وفي منزل عائلتها مشغل تديره والدتها، فتعرفت إلى عالم الأزياء عن قرب قبل أن تدرسه أكاديميًا. وفي سن السادسة عشرة، كانت تلتقط الصور بهاتف «آيفون 6»، وتستعين بصديقاتها كعارضات، وتتحدث مع العميلات وتساعد في تنظيم المعارض. وتقول: «كنت أتعلم عن التصميم والإعلام من دون أن أدرك وقتها إلى أي مدى كان ذلك يهيئني لمستقبلي».
أما اهتمامها بابتكار مواد جديدة، فجاء لاحقًا وبالمصادفة تقريبًا. تقول: «لم أتخيل يومًا أنني سأدخل هذا الجانب من الصناعة، لكنني الآن لا أستطيع تخيل مسيرتي من دونه».
في المنزل أيضًا تشكلت علاقتها بالتفاصيل. فالملابس كانت وسيلة للتعبير، والتأنق مناسبة في حد ذاته، فيما حضرت الزخارف في التطريز والمجوهرات والملابس التقليدية والأعراس والأعياد. ومن خلال مشغل والدتها، لم ترَ الفردان النتيجة النهائية فقط، بل شاهدت أيضًا ساعات العمل والحرفية التي تقف وراءها.
ومع الوقت، أصبحت مهتمة بكيفية صنع هذه التفاصيل بقدر اهتمامها بمظهرها. تقول: «أصبحت مفتونة بالعمل الذي يقف خلف التفاصيل؛ التطريز والمواد والحرفية. وعندما أنظر إلى الأمر الآن، يبدو منطقيًا أن ينتهي بي المطاف بابتكار عنصر للزينة خاص بي».
وكان الترتر تحديدًا يستحق إعادة التفكير. فعلى مدى سنوات، ناقشت صناعة الأزياء الأثر البيئي للأقمشة والتغليف وطرق الإنتاج، بينما لم يحظَ أحد أصغر عناصرها بالقدر نفسه من الاهتمام. ووفقًا لأبحاث «إيلومير»، يُصنع الترتر التقليدي غالبًا من مواد بلاستيكية مشتقة من النفط، مثل PVC وPET، ويتحول بعد تثبيته على الملابس إلى قطع صغيرة يصعب إعادة تدويرها.
وما أزعج الفردان تحديدًا هو التناقض بين قِصر عمر الترتر في خزانتنا وطول عمره في البيئة. تقول: «ما أزعجني حقًا أننا تقبلنا فكرة أن نغطي أنفسنا بالبلاستيك في كل مناسبة، كبيرة كانت أم صغيرة. قد ترتدين قطعة مغطاة بالترتر البلاستيكي مرة أو مرتين، لكن ذلك الترتر قد يبقى في البيئة بعدنا بوقت طويل. فكرة أن نستخدم شيئًا لفترة قصيرة جدًا بينما يبقى أثره لأجيال كانت مرعبة بالنسبة إليّ».
وهكذا بدأ مشروع تخرجها بسؤال بسيط: هل يمكن صنع الترتر بطريقة أخرى؟
البحث عن الإجابة حوّل مطبخ شقتها إلى مختبر صغير. كانت تعود من عملها وتتجه مباشرة إلى المطبخ، حيث تواصل تجاربها حتى منتصف الليل، وتعيد اختبار الخلطات وطرق المعالجة مرة تلو الأخرى. ولم يكن البريق الذي نربطه عادة بالترتر حاضرًا في هذه المرحلة على الإطلاق.
«فوضى!» هكذا تصف تجاربها الأولى، قبل أن تضيف: «كانت أول تجربة بقشور السمك هي الأسوأ على الأرجح. ظننت فعلًا أنني تمكنت من التخلص من رائحة السمك، لكنني اكتشفت سريعًا أنني لم أفعل. بقيت الرائحة عالقة في كل شيء لأيام».
واصلت التجربة رغم ذلك، حتى نجحت العينة الخامسة. وتقول: «هناك شيء مميز بالنسبة إليّ عندما أنظر اليوم إلى ما وصلت إليه إيلومير وأتذكر أن كل هذا بدأ بفوضى كاملة صنعتها في مطبخي».
أصبحت العملية اليوم أكثر دقة، لكنها لا تزال تعتمد إلى حد كبير على العمل اليدوي. تُجمع قشور السمك من الأسواق المحلية في الإمارات، ثم تُنظف وتُجهز وتُعالج بتركيبة حيوية طورتها الفردان. بعد ذلك، تُترك لمدة تتراوح بين 24 و48 ساعة، قبل أن تُقص كل قطعة وتُثقب يدويًا.
وتنتج رقعة بمقاس 30 في 30 سنتيمترًا نحو 500 قطعة ترتر، فيما يستغرق القص وحده قرابة خمس ساعات. ويمكن بعدها تطريز القطع على الملابس واحدة تلو الأخرى، أو دمجها مع اللؤلؤ والكريستال والأحجار وغيرها من الزخارف.
وعند النظر إليها عن قرب، لا تخفي القشور أصلها تمامًا. فهي تعكس الضوء ببريق لؤلؤي متفاوت، وتختلف قليلًا في الملمس والشفافية والانعكاس. واختارت «إيلومير» الإبقاء على هذه الاختلافات بدل محاولة توحيدها، لذلك لا توجد قطعتان متطابقتان تمامًا.
والنتيجة أكثر فخامة مما قد يوحي به أصل المادة. ففي فستان أزرق فاتح، تمتزج القشور بلآلئ المياه العذبة والكريستال إلى درجة يصعب معها التفريق بينها، بينما تنسدل في تصاميم أخرى فوق الأقمشة الفضفاضة، أو تتجمع على فساتين السهرة السوداء في أشكال تذكّر بالأصداف.
تقول الفردان: «الطبيعة صنعت بالفعل نسختها الخاصة من الترتر. كان عليّ فقط أن أجد طريقة لاستخدامها».
وتكمن جاذبية المشروع أيضًا في المفارقة بين البداية والنتيجة: شيء كان سينتهي في النفايات يتحول إلى تفصيل فاخر يرغب الناس في ارتدائه والاحتفاظ به. تقول الفردان: «أحب أن شيئًا يتخلص منه الناس عادة من دون التفكير فيه مرتين يمكن أن يصبح شيئًا يريدون ارتداءه والاعتزاز به».
حتى الاختلافات بين القشور لا تراها عيوبًا يجب إخفاؤها، بل جزءًا من جمالها. وتوضح: «مثلما نختلف نحن عن بعضنا ونحمل قصصنا الخاصة، تختلف القشور أيضًا. لا أريد أن أفقدها هذه الخصوصية، لأنها جزء مما يجعل المادة مميزة».
ويحمل المشروع كذلك ارتباطًا واضحًا بالمكان. فجميع مراحل الحصول على المادة وتطويرها وإنتاجها تتم حاليًا داخل الإمارات، في محاولة للحفاظ على سلسلة إنتاج محلية. والبحر الذي منح الفردان فكرتها الأولى يحتل مكانة عميقة في تاريخ الإمارات، حيث شكّل صيد الأسماك والغوص بحثًا عن اللؤلؤ مصدر رزق للمجتمعات الساحلية قبل التحولات الاقتصادية الكبرى التي أحدثها النفط.
ومن هنا، يبدو تحويل مادة قادمة من البحر إلى زينة معاصرة امتدادًا جديدًا لعلاقة قديمة.
تقول الفردان: «إيلومير هي فعلًا قطعة من أبوظبي. علاقتنا بالبحر وصيد الأسماك كانت شديدة الأهمية عبر تاريخنا، وأحب أن أتمكن من حمل جزء صغير من ذلك إلى المستقبل بطريقة مختلفة تمامًا».
وتؤكد أن هذا الارتباط لم يكن فكرة تسويقية أضيفت لاحقًا إلى المشروع: «المادة تأتي من بحرنا، وتُنتج هنا، والفكرة نفسها جاءتني وأنا جالسة على شاطئ السعديات. لذلك عندما يحمل شخص قطعة من إيلومير، فهو يحمل حرفيًا قطعة صغيرة من أبوظبي في يده. من بحرنا إلى العالم».
وبالفعل، بدأ المشروع يشق طريقه إلى العالم أسرع مما توقعت. كان أول معرض لـ«إيلومير» مع «Design Commission Abu Dhabi» اللحظة التي خرج فيها المشروع من حدود الجامعة إلى الجمهور. أصبح بإمكان أشخاص لا يعرفون شيئًا عن الأشهر التي قضتها في التجارب رؤية المادة والحكم عليها مباشرة. بعضهم اعتقد أنها ستبقى مجرد مشروع تخرج، بينما رأى آخرون منذ البداية أنها قادرة على الذهاب أبعد من ذلك.
ثم جاءت إقامة DCAD x Oscar de la Renta، التي سمعت عنها الفردان للمرة الأولى من والدتها. تقدمت بملف جعلت فيه «إيلومير» محور مشروعها، واختيرت في النهاية واحدة من ثلاثة مصممين مقيمين في الإمارات للمشاركة في البرنامج.
وكانت التجربة تحمل معنى شخصيًا بالنسبة إليها. فقد كانت أوسكار دي لا رينتا من دور الأزياء التي اعتادت متابعتها مع والدتها منذ طفولتها، ولا سيما في حياة مؤسسها. وبعد سنوات، دخلت الفتاة التي كانت تشاهد تلك المجموعات من أبوظبي إلى مشغل الدار في نيويورك، حاملة مادة ابتكرتها بنفسها في مطبخها.
تقول: «كان وجودي في مكان لطالما أعجبت به من بعيد شعورًا يصعب تصديقه. بدأت إيلومير من تجاربي في مطبخي بأبوظبي، لذلك كلما أخذني المشروع إلى مكان حلمت به يومًا، أتوقف وأنظر إلى الوراء وأفكر في المسافة التي يمكن أن تأخذنا إليها فكرة بدت في البداية مجنونة».
خلال الأشهر الثلاثة التي أمضتها في الدار، تعرفت عن قرب إلى أقسام الأزياء الجاهزة والأقمشة والكوتور، كما تعمقت في أزياء العرائس والقفاطين. لكن التطريز داخل المشغل كان أكثر ما جذب انتباهها. وتقول: «عندما تحبين الزخرفة، فإن مشاهدة هذا المستوى من الحرفية عن قرب تعلمك أشياء يصعب فهمها من خلال الدراسة أو عبر شاشة».
ومع نمو «إيلومير»، يصبح الحفاظ على هذه الحرفية أحد التحديات المقبلة. فالفردان تطمح إلى وصول مادتها إلى دور أزياء عالمية، لكن كل قطعة ترتر لا تزال تحتاج إلى يد بشرية ووقت وصبر. وهي لا ترى أن الحل يكمن في التخلص من هذا الجانب اليدوي من أجل زيادة الإنتاج.
وتقول: «بالنسبة إليّ، النمو لا يعني التخلي عن الحرفية. قد يعني في المستقبل تكوين فريق أكبر ونقل هذه التقنيات إلى آخرين، لكنني لا أعتقد أن الحل هو إزالة العنصر البشري تمامًا. العمل اليدوي جزء من قصة إيلومير، وهو أيضًا ما يجعل كل قطعة مختلفة».
وربما يكون أبسط دليل على نجاح الفكرة هو أن الناس لا يزالون غير قادرين على تصديق ما يرونه من النظرة الأولى. أكثر سؤال تسمعه الفردان هو: هل ما زالت له رائحة السمك؟ وهو ما يثير ضحكها كلما تذكرت تجربتها الأولى في مطبخها. أما آخرون فيكتفون بالنظر إلى القطع اللامعة أمامهم، محاولين استيعاب أنها كانت في الأصل مجرد قشور سمك.
وتقول الفردان: «أعتقد أن هذا أحد أكثر الأشياء التي أحبها في إيلومير… إنها تجعل الناس ينظرون إليها مرتين».
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.