حققت المؤلفة الموسيقية الأردنية سعاد بشناق محطة جديدة في مسيرتها، بعدما تلقت دعوة للانضمام إلى أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة، الجهة التي تمنح جوائز الأوسكار، لتصبح أول امرأة عربية تعمل في تأليف موسيقى الأفلام تحظى بهذه الدعوة.
بالنسبة إلى بشناق، التي أمضت نحو 12 عامًا في تأليف الموسيقى للأفلام والمسلسلات والأعمال الوثائقية، يمثل هذا الاختيار اعترافًا بعمل يحدث في معظمه بعيدًا عن الأضواء، لكنه قادر على الوصول إلى أبعد مما قد يبدو.
«عنى ذلك بالنسبة إليّ أن العمل الذي أقوم به منذ ما يقارب 12 عامًا لفت انتباههم وحاز ثقتهم»، تقول لـ MILLE في عمّان، حيث شاركت في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام غير العربية في مهرجان عمّان السينمائي الدولي. وتضيف: «آمل أن يفتح ذلك الباب أمام مؤلفات موسيقيات وموسيقيات أخريات في العالم العربي».
ويعيد إنجاز بشناق تسليط الضوء على واحدة من المهن التي قلما تحضر في صدارة الحديث عن السينما. فموسيقى الفيلم قادرة على تغيير إحساسنا بمشهد كامل، فيما قد يبقى اسم من ألّفها مجهولًا لدى كثير من المشاهدين بعد انتهاء شارة النهاية.
لكن بشناق لا ترى في ذلك مشكلة بالضرورة. «التأليف الموسيقي حرفة»، تقول. «إذا كان شخص ما يريد أن يصبح نجمًا كبيرًا، فعليه أن يصبح ممثلًا».
ما يعنيها أكثر هو الاعتراف بقيمة هذه الحرفة نفسها، خصوصًا أن الموسيقى رافقت السينما منذ بداياتها، حين كانت الأفلام الصامتة تُعرض في الصالات على أنغام البيانو الحية. «نحن موجودون منذ بداية السينما»، تقول. «لسنا شيئًا أُضيف إليها لاحقًا».
ولهذا تحرص بشناق على حضور المهرجانات عندما تُعرض أفلام شاركت في وضع موسيقاها. بالنسبة إليها، تمثل هذه المناسبات فرصة لإظهار العمل الذي يحدث خلف الشاشة، والتعريف بمن يسهمون في تشكيل الفيلم من دون أن يكونوا بالضرورة وجوهه المعروفة، من مؤلفي الموسيقى إلى المونتيرين والتقنيين.
بدأت علاقتها بالسينما مع فيلم «المنعطف» للمخرج الأردني الراحل رفقي عساف. كان أول أفلامه الروائية الطويلة، وفي الوقت نفسه أول فيلم روائي طويل تضع بشناق موسيقاه. «هو من فتح لي باب السينما»، تقول.
ومنذ ذلك الحين، تنقلت بين إنتاجات عربية ودولية، واضعة موسيقى أفلام من بينها «يونان» (2025)، و«جنائن معلقة» (2022)، و«رحلة 404» (2024)، وهي من الأعمال الأقرب إليها. ومن تجربتها التلفزيونية، تختار «البطل» (2025)، فيما تعتبر السلسلة الوثائقية Secret World of Sound (2024)، بصوت ديفيد أتينبورو، واحدة من أبرز المحطات في مسيرتها.
لكن علاقتها بالتأليف بدأت قبل السينما بوقت طويل. عزفت البيانو منذ سن الخامسة، وبدأت كتابة موسيقاها الخاصة في سنوات المراهقة. أما فكرة تحويل موسيقى الأفلام إلى مهنة، فاكتشفتها خلال دراستها التأليف الموسيقي في الجامعة، وتحديدًا عندما طُلب منها تحليل موسيقى غابرييل يارد لفيلم The Talented Mr. Ripley.
«كان من السهل على أي مستمع تلقيها، بغض النظر عن خلفيته الموسيقية، لكنها كانت في الوقت نفسه معقدة بما يكفي لتحمل ذكاءً موسيقيًا»، تقول.
هذا التوازن أصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من طريقتها في التأليف: أن تكون الموسيقى غنية وذكية من دون أن تصبح عصية على المستمع، وأن تخدم الفيلم قبل كل شيء بدل أن تنافسه على الانتباه.
أما كونها امرأة تعمل في التأليف الموسيقي، فقد وضعها أحيانًا أمام تصورات جاهزة حول مكان المرأة في هذا المجال. في بداياتها، كان البعض يفترض بمجرد معرفته أنها تعمل في الموسيقى أنها مغنية.
«كنت أقول: لا، أنا مؤلفة موسيقية. فيسألونني: إذًا أنت تغنين؟ فأقول: لا، أنا أكتب الموسيقى للأوركسترا».
ومع ذلك، لا تصف بشناق تجربتها في السينما العربية باعتبارها مسيرة اصطدمت بالتمييز. «في العالم العربي، لم أشعر يومًا بأنني تعرضت للتمييز لأنني امرأة، كما أنني لم أحصل على معاملة تفضيلية لأنني امرأة أيضًا»، تقول. بالنسبة إليها، كان المخرجون والمنتجون يتواصلون معها ببساطة لأنهم أحبوا عملها.
الأمومة، في المقابل، وضعتها أمام نوع آخر من الأحكام المسبقة. بدأت بشناق مسيرتها وهي في شهرها الثامن من الحمل، لكنها كانت تتجنب الحديث عنه، كما كانت تحرص لاحقًا على عدم ذكر مرض ابنها حين يحدث.
«عندما تقولين إنك أم، يفترض البعض أحيانًا أن أولوياتك مختلفة وأنك لست محترفة»، تقول.
لكنها تشدد مرة أخرى على أن هذه النظرة لم تكن جزءًا من تجربتها داخل العالم العربي، حيث لم تشعر بأن الأمومة أثرت في نظرة زملائها إليها أو في فرصها المهنية. والمفارقة أن التجربة التي بقيت في ذاكرتها جاءت خلال عملها مع مخرجات أمريكيات كن أمهات بدورهن.
بالنسبة إلى بشناق، لا تكمن المشكلة في الأمومة، بل في الافتراضات التي تحيط بها، وهي افتراضات تقول إنها واجهتها بصورة أوضح خارج صناعة السينما العربية.
وبعد أكثر من عقد من العمل، تبقى نصيحتها للمؤلفين الموسيقيين الشباب مرتبطة بالفكرة نفسها التي تحكم علاقتها بالمهنة: لا تدخلوا التأليف بحثًا عن الشهرة، ولا تحاولوا استخدام الموسيقى لفرض حضوركم على الفيلم.
فالاسم، في النهاية، يصنعه العمل نفسه.
وكما تقول بشناق: «العمل الجيد، العمل المنجز بإتقان، هو ما سيجعل اسمك معروفًا في النهاية».
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.