منذ تأسيسه عام 1946، ظلّ مهرجان كان السينمائي أكثر من مجرد حدث مخصص للأفلام؛ مساحة تلتقي فيها السينما بالفن والموضة وصناعة الصورة. فعلى امتداد أسبوعين كل شهر مايو، تتحول مدينة كان الفرنسية إلى مركز عالمي يجمع المخرجين والنجوم والمصورين ودور الأزياء والمجوهرات على السجادة الحمراء نفسها.
وسط هذا المشهد، نجحت دار المجوهرات السويسرية شوبارد في ترسيخ حضورها داخل هوية مهرجان كان أكثر من أي علامة أخرى. فمنذ عام 1998، أصبحت شوبارد الشريك الرسمي للمهرجان، وصانعة السعفة الذهبية — الجائزة الأكثر شهرة وهيبة في عالم السينما.
شوبارد والسعفة الذهبية: كيف أعادت دار المجوهرات تصميم أشهر جائزة سينمائية؟
ما لا يعرفه كثيرون هو أن السعفة الذهبية بصيغتها الحالية أعادت تصميمها كارولين شوفوليه، الرئيسة المشاركة والمديرة الفنية لشوبارد، بعدما طلب منها رئيس مهرجان كان السابق بيار فيو إعادة تخيّل الجائزة في نهاية التسعينيات.
وقبل هذا التعاون، كانت السعفة الذهبية تُعامل بوصفها كأسًا احتفاليًا رمزيًا، لكن شوفوليه حوّلتها إلى قطعة مجوهرات راقية بحد ذاتها.
ظهرت السعفة الذهبية لأول مرة عام 1955، واستمدت اسمها من أشجار النخيل الممتدة على شارع لا كروازيت الشهير في كان، إضافة إلى النخلة الموجودة على شعار المدينة الرسمي. أما النسخة التي تصنعها شوبارد اليوم، فتتكوّن من 19 ورقة نخيل مصنوعة يدويًا من الذهب الأصفر الأخلاقي عيار 18 قيراطًا، تتصل بساق منحنية تشكّل بشكل خفي قلبًا — إحدى البصمات التصميمية المعروفة للدار.
وتستقر السعفة فوق قاعدة من الكريستال الصخري المقطوع يدويًا، لتبدو أقرب إلى جوهرة معلّقة داخل الزجاج منها إلى جائزة تقليدية. ووفقًا لشوبارد، يتطلب صنع كل سعفة ذهبية أكثر من 70 ساعة من العمل الحِرفي داخل مشاغل المجوهرات الراقية التابعة للدار.
مهرجان كان السينمائي والسعفة الذهبية: الجائزة التي تغيّر مسار المخرجين
يمكن للفوز بالسعفة الذهبية أن يغيّر حياة أي مخرج بالكامل، خصوصًا أولئك الذين يعملون خارج منظومة هوليوود التجارية.
وعلى مر السنوات، ذهبت الجائزة إلى أسماء صنعت تاريخ السينما العالمية، من بينهم فرانسيس فورد كوبولا، وجين كامبيون، وبونغ جون هو — أول مخرج كوري يفوز بالسعفة الذهبية — إضافة إلى كين لوتش، وجوليا دوكورنو، وجوستين ترييه.
وفي عالم السينما، تؤدي السعفة الذهبية دورًا يشبه “التتويج الرسمي”، إذ تمنح الفيلم مكانة نقدية وتاريخية يصعب تجاهلها. وقد أدركت شوبارد مبكرًا أن الجائزة التي تحمل كل هذا المعنى يجب أن تمتلك القيمة العاطفية والبصرية نفسها.
شوبارد ومهرجان كان السينمائي: العلاقة التاريخية بين المجوهرات والسينما
لطالما ارتبطت السينما بالمجوهرات بشكل وثيق. فقبل عصر المؤثرين ووسائل التواصل الاجتماعي، لعب نجوم هوليوود دورًا أساسيًا في تشكيل الخيال الجماعي المرتبط بالألماس والأحجار الكريمة.
تحولت مجموعة مجوهرات إليزابيث تايلور إلى أسطورة تكاد تضاهي شهرة أفلامها، فيما ساهمت نجمات مثل صوفيا لورين وكاثرين دونوف في ترسيخ صورة الفخامة الأوروبية خلال العصر الذهبي لمهرجان كان.
ويستند حضور شوبارد في مهرجان كان السينمائي مباشرة إلى هذا الإرث، لكن الدار وسّعت دورها تدريجيًا إلى ما هو أبعد من تصميم السعفة الذهبية.
ففي عام 2001، أطلقت كارولين شوفوليه جائزة «تروفيه شوبارد»، وهي جائزة سنوية تُمنح لممثلة وممثل صاعدين خلال المهرجان، بهدف تسليط الضوء على المواهب الجديدة في السينما العالمية.
ومن بين الأسماء التي حصلت عليها سابقًا: ماريون كوتيار، وغايل غارسيا برنال، وأديل إكزاركوبولوس، وجيسي باكلي، وجو ألوين، ونعومي آكي، ومايك فايست.
أما هذا العام، فستقدّم النجمة إيزابيل أوبير الجائزة للممثلة أوديسا أزيون والممثل وعارض الأزياء البريطاني كونور سوينديلز.
مجموعة شوبارد للسجادة الحمراء في مهرجان كان السينمائي 2026
ورغم كل ذلك، يبقى حضور شوبارد الأكثر شهرة في مهرجان كان خارج المسابقات الرسمية. ففي كل عام، تكشف الدار عن مجموعة «السجادة الحمراء»، وهي مجموعة مجوهرات راقية تُصمم خصيصًا للمهرجان.
بدأ هذا التقليد عام 2007، وتحول منذ ذلك الحين إلى واحد من أبرز أحداث كان، خصوصًا بالنسبة للمصورين ومنسقي الأزياء الذين يراقبون العلاقة المتداخلة بين الموضة والمشاهير والسينما.
وتتغير المجموعة سنويًا وفق فكرة مركزية تتخيّلها كارولين شوفوليه. أما نسخة هذا العام، فتحمل عنوان «Miracles» أو «معجزات»، وتستلهم لحظات الجمال العابرة الموجودة في الطبيعة والذاكرة واللقاءات غير المتوقعة.
وعلى عكس مجموعات المجوهرات التقليدية التي تتمحور حول المكانة والاستعراض، تتعامل شوبارد مع هذه القطع كأنها أدوات سرد بصري مرتبطة بالمشاعر والخيال والحكايات.
وتضم مجموعة 2026 عقدًا تتوسطه ياقوتة زرقاء ملكية بوزن 88 قيراطًا، تحيط بها أحجار الياقوت والأكوامارين والألماس، في تصميم يستحضر نقطة التقاء السماء بالأرض.
وفي قطعة أخرى، يجمع بروش على شكل طائر الفينيق بين الذهب الوردي الأخلاقي والتيتانيوم والزمرد والياقوت متعدد الألوان، كرمز للبعث والتجدد، بينما تخفي ساعة سرية على شكل فراشة واجهتها خلف أجنحة مرصعة بالجواهر.
هذه ليست مجوهرات يومية، ولم تُصمم لتكون كذلك أصلًا. إنها قطع صُنعت للسلالم الحمراء، والعروض الأولى، والصور الأرشيفية، والأسطورة البصرية التي يواصل مهرجان كان إنتاجها عامًا بعد عام.
لماذا تستمر شراكة شوبارد ومهرجان كان حتى اليوم؟
ما يجعل علاقة شوبارد بمهرجان كان السينمائي مستمرة حتى اليوم هو أن الدار لم تتعامل مع نفسها كعنصر خارجي عن ثقافة السينما، بل أصبحت جزءًا من طقوسها الأساسية.
فالسعفة الذهبية تظهر في اللحظة الأكثر عاطفية خلال حفل الختام، وجائزة «تروفيه شوبارد» تحتفي بالممثلين الشباب قبل وصولهم إلى النجومية، بينما تتحول مجموعة «السجادة الحمراء» إلى جزء من الذاكرة البصرية لكل دورة عبر الصور التي تُلتقط للنجمات والمخرجين وعارضات الأزياء على امتداد الكروازيت.
كما أصبحت الاستدامة جزءًا أساسيًا من هوية شوبارد في السنوات الأخيرة. فمنذ عام 2014، تُصنع السعفة الذهبية باستخدام الذهب الأخلاقي ضمن مبادرة الدار «رحلة نحو الرفاهية المستدامة».
وفي صناعة ارتبطت تاريخيًا بالمصادر غير الشفافة والفخامة المغلقة، يحمل هذا التحوّل أهمية خاصة، خصوصًا مع ازدياد تشكيك الأجيال الجديدة في أي صورة للفخامة لا ترتبط بالمسؤولية.
واليوم، يبقى مهرجان كان واحدًا من الأماكن القليلة التي لا تزال تحافظ على خيال هوليوود القديم: النجوم يصلون على متن اليخوت، والمصورون يصرخون بالأسماء خلف الحواجز، والمخرجون يعبرون السجادة الحمراء ببدلات سوداء قبل عرض أفلام سياسية أو إنسانية ثقيلة أمام جمهور عالمي.
وفي قلب هذا التناقض تحديدًا، تجد شوبارد مكانها الطبيعي: دار تصنع الرموز المادية المرتبطة بالإنجاز السينمائي، وفي الوقت نفسه تساهم في صناعة الأسطورة البصرية المحيطة به.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.