في ثاني مجموعة هوت كوتور يوقعها لدار شانيل، بدا أن ماثيو بلازي لا يريد تقديم ملابس فحسب، بل يريد أن يروي حكاية. فإذا كانت مجموعته الأولى محاولة لإعادة قراءة رموز الدار الشهيرة من خلال رؤيته الخاصة، فإن مجموعة خريف 2026 للهوت كوتور جاءت أكثر تحررًا، وأكثر شاعرية، وكأنها دعوة مفتوحة للإيمان بأن الموضة لا تزال قادرة على صناعة السحر.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن العرض سيكون مختلفًا. فقد تحوّل القصر الكبير (Grand Palais) في باريس إلى حديقة خيالية تتوسطها أزهار الخشخاش والترمس العملاقة، بينما ملأت موسيقى The Lord of the Rings للمؤلف هاورد شور المكان، لتأخذ الحضور إلى عالم أقرب إلى القصص الخيالية منه إلى عروض الأزياء.
ولم تبدأ الحكاية بأول فستان، بل بكتاب صغير. فقد ظهرت العارضة الافتتاحية وهي تحمل كتابًا جلديًا نادرًا للقصص الخيالية يعود إلى أكثر من مئة عام، وكان يومًا من مقتنيات غابرييل “كوكو” شانيل الشخصية، في إشارة مبكرة إلى العالم الذي ستدور فيه المجموعة.
لكن استلهام القصص الخيالية قد يكون سلاحًا ذا حدين؛ فمن السهل أن يتحول إلى أزياء تنكرية أو استعراض مسرحي مبالغ فيه. إلا أن بلازي عرف كيف يتجنب هذا الفخ، فاستلهم مجموعته من حكاية “جاك وشجرة الفاصولياء”، ليس ليعيد سردها حرفيًا، بل ليستخدمها إطارًا بصريًا ينسج من خلاله قصة عن التحول والنمو.
ولهذا جاءت التفاصيل مليئة بالإشارات الذكية. ففي أحد الفساتين، امتدت الأزرار على طول الظهر لتروي رحلة «البطة القبيحة» التي تتحول إلى بجعة، بينما اتخذت إحدى حقائب الـ«مينوديير» شكل الدب الذهبي من قصة «غولديلوكس والدببة الثلاثة». أما بطانة إحدى سترات التويد، فقد أخفت لوحة مرسومة يدويًا مستوحاة من قصة «القط ذو الحذاء»، لا يراها المشاهد إلا عندما يتحرك القماش.
وربما كانت أجمل مفارقات العرض أن أعظم قصة خيالية في تاريخ شانيل لم تكن خيالية أصلًا. ففي الكواليس، قال ماثيو بلازي إن قصته المفضلة هي قصة كوكو شانيل نفسها؛ الفتاة اليتيمة التي أصبحت واحدة من أكثر مصممات الأزياء تأثيرًا في التاريخ. وهي مقارنة تبدو منطقية، لأن قصة الدار نفسها لا تقل إلهامًا عن أي حكاية خيالية.
كما يصعب فصل هذا العرض عن القصة التي يعيشها بلازي شخصيًا. فمنذ مغادرة فيرجيني فيار منصب المديرة الإبداعية عام 2024، انشغل عالم الموضة باسم الشخص الذي سيقود واحدة من أكثر دور الأزياء تأثيرًا في العالم.
فإدارة شانيل ليست مهمة عادية. فكل من يتولى هذا المنصب يرث رموزًا أصبحت جزءًا من هوية الدار: زهرة الكاميليا، والتويد، والحذاء ثنائي اللون، واللؤلؤ، وإرث كوكو شانيل الذي يفرض حضوره في كل مجموعة. ومع ذلك، تعامل بلازي مع هذا الإرث بثقة لافتة، فلم يحاول تقليده، ولم يسعَ إلى كسره، بل أعاد تقديمه بلغته الخاصة.
ظهر ذلك بوضوح في التويد، الذي فقد هذا الموسم مظهره التقليدي، ليبدو أشبه بطحالب الغابات، متحولًا إلى معاطف كثيفة توحي وكأنها نبتت من الطبيعة نفسها. وبين الخيوط، تناثرت زهور الأقحوان المطرزة كأنها أزهار برية تشق طريقها وسط الأعشاب.
وفي إطلالة أخرى، بدا أحد الفساتين وكأنه صُنع من كنوز شانيل المتراكمة عبر العقود؛ عقود لؤلؤ، وسلاسل، ودبابيس، وأزرار، وإكسسوارات أعيد جمعها معًا لتتحول إلى قطعة هوت كوتور آسرة.
وكانت الطبيعة حاضرة في كل مكان، لكن بصورة بعيدة عن المباشرة. أغصان رقيقة تسلقت القصات الشفافة، وأزهار مطرزة امتدت فوق طبقات الأورغانزا، وريش تحول تدريجيًا إلى بتلات زهور. أما إحدى أكثر الإطلالات شاعرية، فجعلت الطيور جزءًا من بنية الفستان نفسه، حيث امتدت الأجنحة المطرزة على الصدر قبل أن تنساب في هيئة ريش ناعم حتى الذيل.
وحتى الأحذية دخلت هذا العالم الخيالي. فقد أعاد بلازي تقديم حذاء شانيل الشهير ثنائي اللون، لكن بكعوب نحتية استُلهمت من قرون البازلاء، والفراشات، والورود المتفتحة، في واحدة من أكثر تفاصيل المجموعة خيالًا.
ورغم كل هذا الثراء البصري، لم تغب البساطة عن العرض. فقد مرّ فستان شيفون أحادي الكتف بخفة تكاد تجعله يبدو بلا وزن، في تذكير بأن الإبهار لا يتحقق دائمًا عبر الزخارف، بل قد يولد أيضًا من نقاء الخطوط وإتقان التنفيذ.
كما قدم بلازي فستانًا من الجيرسيه بلون الكراميل، تميز بثنيات ناعمة وتفاصيل تشبه المجوهرات عند الياقة، في إشارة إلى أن عميلات الهوت كوتور اليوم لا يعشن داخل القصص الخيالية وحدها؛ فهن يحتجن إلى أزياء تناسب حفلات العشاء، والمناسبات الرسمية، وحفلات الزفاف، واجتماعات العمل، بقدر ما تناسب السجاد الأحمر.
صحيح أن بعض الإطلالات اقتربت أحيانًا من عالم كتب الأطفال أكثر من اقترابها من الواقع، لكن الحرفية التي نُفذت بها كانت كافية لتبرير هذا القدر من الخيال. فكل ريشة، وكل خرزة، وكل غرزة تطريز، ذكّرت الحضور بأن الهوت كوتور ما زال فنًا قائمًا على آلاف الساعات من العمل اليدوي، في وقت أصبحت فيه صناعة الموضة تركض خلف السرعة والخوارزميات والاتجاهات العابرة.
وربما تكون هذه هي الرسالة الحقيقية التي أراد ماثيو بلازي إيصالها. فالسحر الذي يتحدث عنه لا يكمن في القصص الخيالية، بل في قدرة الهوت كوتور على البقاء، وعلى إدهاشنا، وعلى دفعنا إلى التوقف قليلًا، والنظر إلى التفاصيل، والإيمان بأن قطعة ملابس ما تزال قادرة على أن تروي قصة كاملة.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.