سامح الله من علّم غير العرب كلمة «حبيبي».
من المفارقات أن العربية، التي تُعدّ واحدة من أغنى لغات العالم، تبدو وكأنها لم تجد سوى كلمة واحدة صالحة للتصدير. على القمصان والحقائب القماشية، على جدران المطاعم، وفي عناوين الأغاني، وفوق عدد لا يُحصى من لافتات النيون… أصبحت «حبيبي» اختصارًا جاهزًا لثقافة ومنطقة بأكملها، رغم أن هذه المنطقة أكثر ثراءً وتنوعًا من أن تُختزل في كلمة واحدة.
ولنكن واضحين: المشكلة ليست في الكلمة نفسها. «حبيبي» كلمة جميلة ومرنة، يمكن أن تعبّر عن الحب والمودة، أو أن تحمل سخرية لاذعة، بحسب النبرة والسياق. لكن استخدامها في كل مكان، طوال الوقت، أفقدها شيئًا من سحرها. فحين تتكرر الكلمة إلى هذا الحد، تبدأ تدريجيًا في التحول من تعبير حميم إلى كليشيه ثقافي.
وبالطبع، هناك سبب واضح لشعبيتها. بالنسبة إلى كثيرين خارج المنطقة، تعد «حبيبي» من أولى الكلمات العربية التي يسهل التقاطها. نطقها بسيط نسبيًا، ويمكن استخدامها في مواقف مختلفة، ولا تحتاج إلى شرح طويل. وفي الحقيقة، ثمة شيء جميل في ذلك. فاللغات لطالما عبرت الحدود، وليس علينا بالضرورة أن ننزعج من رؤية كلمة مألوفة لنا تجد مكانًا في قاموس الآخرين. بل ربما تكشف شعبيتها عن مدى مرونتها وقدرتها على الانتقال بين السياقات.
لكن المشكلة تبدأ حين تصبح مجموعة صغيرة من الرموز التي يعرفها الآخرون عنا هي نفسها اللغة التي نستخدمها لتعريف أنفسنا أمامهم. وهنا يظهر شعور أكثر إزعاجًا: كأننا تعلمنا، بمرور الوقت، أن نقدّم أنفسنا من خلال عدسة لم نصنعها بالكامل.
شغل سؤالُ من يملك سلطة تشكيل صورتنا عن أنفسنا مفكري ما بعد الاستعمار لعقود، ولعل فرانتز فانون أحد أبرزهم. ففي كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، لم ينظر المفكر والطبيب النفسي المارتينيكي إلى الاستعمار باعتباره قوة تفرض صورة عن المستعمَر من الخارج فحسب، بل درس أيضًا الطريقة التي يمكن أن تتسلل بها هذه الصورة إلى فهم الإنسان لذاته.
وفي حديثه عما سمّاه «المخطط التاريخي-العرقي»، يصف فانون كيف صاغ الآخر الأبيض الصورة التي كان يُفترض به أن يرى نفسه من خلالها، وجمعها من تفاصيل وحكايات وقصص كثيرة، بعضها لا يمت إليه بالضرورة، أو لا يعبّر عنه بالكامل.
من الواضح أن حقيبة قماشية كُتبت عليها «حبيبي» ليست أداة قمع استعماري، ولا يمكن مقارنة الأمر مباشرة بما كان فانون يكتب عنه. لكن يمكن التقاط صدى لتلك الديناميكية في الطريقة التي تُسوّق بها ثقافتنا اليوم. فنحن نعود مرارًا إلى الرموز القليلة نفسها التي يعرف الآخرون مسبقًا أنها «عربية»، ونقدّم أنفسنا من خلالها لأنها ببساطة الأكثر قابلية للفهم والتعرّف، خصوصًا بالنسبة إلى الغرب.
وقد بلغ هوسنا بـ«حبيبي» درجة أن الكلمة أنجبت مصطلحًا كاملًا: Habibification، أو ما يمكن تسميته بـ«الحبيبَنة».
استخدمت الكاتبة مي المقدّم المصطلح في مقال نشرته Dazed MENA للحديث عن الإقبال المتزايد على الجماليات العربية في موسيقى الهاوس، حيث تُستعار أصوات الأغاني القديمة ومقاطع العود وصور الصحراء وغيرها من العناصر، ثم يعاد تغليفها لتناسب جمهورًا عالميًا.
وتستشهد المقدّم بمنسقة الأغاني والمنتجة بيغي غو، التي سبق أن طرحت منتجات محدودة تحمل كلمة «حبيبي» بشكل بارز. والمفارقة هنا تكمن في سهولة تبني عناصر من ثقافة المنطقة، في الوقت الذي يمكن فيه إبقاء واقع شعوبها وقضاياهم على مسافة آمنة. وتشير الكاتبة في هذا السياق إلى حفلات سابقة لغو في إسرائيل، وإلى تصريحها بأنها مستعدة للعزف في أي مكان يريد الناس فيه سماع موسيقاها، بغض النظر عن السياسة.
وهنا نصل إلى تناقض مألوف: يمكن للغرب أن يعشق أجزاءً من ثقافاتنا من دون أن يمتد هذا الحماس بالضرورة إلى الناس الذين صنعوها ويحملونها.
الشيشة؟ بالتأكيد. العرب؟ حظر سفر.
الحمص؟ طبعًا. الفلسطينيون؟ «الموضوع معقّد».
وهذه ليست ظاهرة عربية حصرًا. يكفي النظر إلى الولايات المتحدة، حيث أصبحت موسيقى الراب واحدة من أكثر الأشكال الموسيقية انتشارًا وتأثيرًا، بينما لا يزال الأميركيون السود، الذين نشأت الموسيقى إلى حد كبير داخل مجتمعاتهم، يواجهون التمييز وعدم المساواة في البلد نفسه الذي يستهلك ثقافتهم بحماس.
فكرة الرغبة في جماليات مكان ما من دون الرغبة في كل ما يرتبط به ليست جديدة. ففي كتابه «الاستشراق»، شرح إدوارد سعيد كيف تشكّل فهم الغرب للشرق تاريخيًا من خلال مجموعة متكررة من الصور والأفكار والمفردات الثقافية التي اكتسبت، بفعل التكرار، حضورًا بدا وكأنه الحقيقة نفسها.
وبعد نحو خمسة عقود، تبدو كلمة «المفردات» مهمة على نحو خاص.
فما «حبيبي» والعود والصحراء وغيرها من الرموز التي نعود إليها باستمرار سوى قاموس بصري وصوتي يجعل هذه المنطقة قابلة للتعرّف فورًا بالنسبة إلى العين الغربية؟
لكن الفارق اليوم أننا أصبحنا نحن أيضًا نتقن هذا القاموس. نعرف كيف يتوقع الغرب أن تبدو المنطقة، ونعرف كيف يريدها أن تبدو وتُسمع، ونعرف أي الرموز ستثير فضوله. وبوعي أو من دونه، أصبحنا أكثر مهارة في تقديم ما ينتظره.
والنتيجة شكل غريب من الاستشراق الذاتي: لم يعد الآخر وحده من يختزلنا في مجموعة من الصور الجاهزة؛ أحيانًا نشارك نحن أيضًا في تغليف أنفسنا بهذه الطريقة.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد. فقد أدركت دول في المنطقة أن هناك مكاسب يمكن تحقيقها من الاستثمار في هذه الصورة: الصحراء، والجمال، والملابس التقليدية وغيرها من العناصر التي يسهل تسويقها عالميًا ضمن صناعة السياحة.
ومن السهل فهم المنطق. إذا كانت هذه النسخة من «العروبة» تجذب السياح، وتدرّ الأموال، وتساعد على تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، وتحسّن في الوقت نفسه صورة البلد دوليًا، فلماذا لا يتم استثمارها؟
خصوصًا أن الدول العربية لم تكن يومًا مدللة في ما يتعلق بصورتها في المخيال الغربي. فعقود من ربط المنطقة بالحروب والإرهاب والتطرف وعدم الاستقرار تجعل اختزالها اليوم في التمور والكثبان والرجال بالثياب التقليدية يبدو، بطريقة عبثية، وكأنه تحسّن.
إذا ابتعدنا قليلًا عن الكلمة، سنكتشف أن «حبيبي» ليست حالة استثنائية. كلمة «يلا» خضعت للمصير نفسه، فيما لا تزال جلسات تصوير الأزياء تعود باستمرار إلى البلد: واجهات المحال القديمة، والكراسي البلاستيكية، وباعة الفاكهة، وسيارات الأجرة المهترئة، كلما احتاجت الصورة إلى جرعة سريعة من «الأصالة» أو «الشمول».
مرة أخرى، لا توجد مشكلة في أي من هذه الأشياء بحد ذاتها. إنها فعلًا أجزاء من المنطقة التي نعرفها ونعيش فيها. لكن المثير للاهتمام هو إصرارنا على العودة إليها مرارًا، بينما نهنئ أنفسنا في الوقت ذاته على دخول عصر ثقافي عربي جديد.
لأننا، رغم كل الحديث عن النهضة الثقافية، نستعيد الكثير مما فعلته الأجيال السابقة بالفعل. نرتدي ما ارتداه آباؤنا وأمهاتنا، ونأخذ عينات من الموسيقى التي استمعوا إليها، ونصوّر الشوارع التي عاشوا فيها، ونستعيد الكلمات التي استخدموها قبل وقت طويل من أن يخطر لنا طبعها على قميص.
الاختلاف ربما أننا أصبحنا أفضل في التغليف.
لذلك، ربما لا نعيش اللحظة الثقافية الجديدة تمامًا كما نحب أن نتصورها. قد نشعر بأننا تحررنا من سطوة النظرة الغربية، لكننا، في مفارقة واضحة، لا نزال منشغلين بجعل أنفسنا مفهومين ومقبولين، بل وجذابين، بالنسبة إليها.
وربما نحن ببساطة نعيد عيش الكثير مما عاشه آباؤنا، لكن بصورة أكثر لمعانًا وقابلية للتسويق، فيما لا نزال، بشكل أو بآخر، نبحث عن الاعتراف من الأماكن نفسها التي نصرّ على أننا لم نعد بحاجة إلى موافقتها.
لهذا، ربما حان الوقت فعلًا لمنح «حبيبي» إجازة.
على الأقل حتى إشعار آخر.