مهرجان الدوحة السينمائي 2025، الذي سيقام من 20 إلى 28 نوفمبر، يسلّط الضوء هذا العام على فلسطين. ففي وقتٍ تتعرض فيه حياة الفلسطينيين للتهديد وتواجه ذاكرتهم خطر المحو، اختار معهد الدوحة للأفلام أن يضع فلسطين في قلب برنامجه، عبر أعمال سينمائية تُصر على التذكير والاحتفاء بالذاكرة.
البرنامج يبدأ بقوة مع فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، العمل الذي حصد جائزة الأسد الفضي الكبرى في مهرجان البندقية 2025 وحطم الرقم القياسي في مدة التصفيق الحار. قصة هند، الطفلة ذات الأعوام الستة التي كانت آخر كلماتها عبر مكالمة استغاثة من داخل سيارة في غزة، تهز العالم مجددًا على الشاشة، فتجعل المأساة أكثر إيلامًا وضرورة في الوقت نفسه.
من هناك، يأخذنا فيلم “كان يا ما كان في غزة” للأخوين طرزان وعرب ناصر إلى واقع القطاع عام 2007، من خلال حكاية طالب وتاجر مخدرات وشرطي عالقين في دوامات العنف. بينما يقدّم كمال الجعفري في فيلمه “مع حسن في غزة” رحلة شخصية في الذاكرة والفقدان، كجرح مفتوح، أما آن ماري جاسر فتعود بفيلم “فلسطين 36” إلى عام 1936 وإلى زمن الانتداب البريطاني، لتذكّر بأن ما نعيشه اليوم متجذر في عقود طويلة من النزع والحرمان.
البرنامج لا يقتصر على السينما فقط، بل يشمل الموسيقى أيضًا، إذ سيشارك النجم الفلسطيني العالمي سانت ليفانت في عروض موسيقية ضمن قسم جديد يربط بين السينما والموسيقى.
مثل هذه الاختيارات ليست جديدة على المهرجانات، فقد اعتاد أيام قرطاج السينمائية على إبراز النضالات العربية والأفريقية، كما منح مهرجان برلين مساحة للأصوات المعارضة، وسبق لـ مهرجان الجونة أن سلّط الضوء على السينما الفلسطينية. لكن مبادرة الدوحة تبدو أكثر إلحاحًا، إذ تأتي في وقت تُطالب فيه المؤسسات العربية بتجاوز الرمزية نحو التضامن الفعلي.
تكمن قوة السينما هنا في قدرتها على الإنسنة، على حفظ الذاكرة في مواجهة محاولات المحو، وعلى إشعال حوار عالمي. وحين تخذل السياسة، يبقى للفن أن يتقدّم الصفوف ويحمل الأصوات التي يُراد لها أن تُصمت.
فعاليات المهرجان ستنتشر في الحي الثقافي كتارا، ومشيرب داون تاون، ومتحف الفن الإسلامي، ليحوّل الدوحة نفسها إلى مساحة تبادل ثقافي حيّ. هكذا، لا يكتفي المهرجان برعاية الأصوات العربية، بل يجعل من مشاهدة الأفلام فعلًا من أفعال الشهادة والمقاومة.