فيلم سوبرمان الجديد- مجاز باهت لفلسطين

فيلم سوبرمان الجديد: مجاز باهت لفلسطين

تنهيدة

فيلم سوبرمان الجديد- مجاز باهت لفلسطين

حين بدأت تظهر مزاعم بأن فيلم “سوبرمان” الجديد يرمز إلى غزة، شعرت بفضول دفعني لمشاهدته بنظرة أقرب. منذ بدء عرضه مطلع يوليو، تزايدت التحليلات التي ترى أن الجزء الأخير من سلسلة DC يُقدّم إسقاطًا غير مباشر، لكنه واضح، على معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية وسائر الأراضي المحتلة.

في هذا الفيلم، الذي أخرجه المخرج الإيرلندي جيمس غان، يُكلّف سوبرمان بالدفاع عن دولة خيالية تُدعى “جهرانبور” في مواجهة “بورافيا”، وهي دولة مدعومة من الولايات المتحدة. وبينما يواجه أخطار الغزو وعدوانًا عسكريًا، يجد كلارك كينت نفسه وسط صراع معقد بين التدخلات الخارجية وقضايا السيادة، ليطرح أسئلة حول دوره كرمز للعدالة في عالم مثقل بالتوترات السياسية.

إذا أردنا تلخيص الفيلم، فالواضح أن “جهرانبور” تمثل شعبًا مضطهدًا يقاتل من أجل حقه في الوجود وتقرير المصير. اسم الدولة، لون بشرة سكانها، والمحن التي يواجهونها تجعل من الصعب تجاهل أوجه الشبه مع فلسطين. في المقابل، ترمز “بورافيا” إلى قوى الاحتلال — دولة مهيمنة، بيضاء، مسلحة جيدًا، وعازمة على السيطرة على خصمها المعلن. كما أن التفاوت في القوة والدعم بين الجانبين يعكس بشكل جليّ الفجوة الممتدة منذ عقود بين فلسطين والكيان الصهيوني.

الفيلم لا يكتفي بالإيحاء، بل يتضمن مشاهد تعزز هذا التفسير. في أحد الحوارات، يقول سوبرمان: “حتى لو كانت جهرانبور تعاني من مشكلات، فهذا لا يمنح أي دولة الحق في غزوها”، ليرد عليه محاوره بأن “بورافيا” تسعى لتحرير الشعب من نظام قمعي. يستنكر سوبرمان الرد بقوله: “بورافيا؟ من بين كل الدول؟”. مثل هذا المشهد ليس وحيدًا، بل جزء من سلسلة إشارات تلامس خطابًا سياسيًا مألوفًا بشدة — خطاب التحرير والمقاومة والعدالة.

ورغم كل هذا، يصرّ المخرج جيمس غان على نفي أي إسقاط مباشر على القضية الفلسطينية، إذ قال في مقابلة مع The Times:

“عندما كتبت الفيلم، لم تكن الأزمة في الشرق الأوسط دائرة. حاولت عمداً أن أُبعده عن هذا السياق. القصة تدور حول دولة قوية يقودها مستبد تغزو دولة ضعيفة ذات تاريخ سياسي معقد، لكنها بلا دفاعات. كل ذلك خيالي تمامًا.”

لكن حتى مع هذا النفي، من الصعب تصديق أن غان — الإيرلندي الجنسية، المنتمي لبلد يُعرف بدعمه الصريح لفلسطين — لم يتأثر بما يجري. صحيح أن نواياه قد تبقى مجهولة، لكن محاولته للابتعاد عن التصريح تبدو كنوع من “إدارة المخاطر”، لا رغبة حقيقية في تحدي الظلم أو الوقوف مع الحق. وهنا يبرز سؤال مهم: أليس هذا “الخطر” يستحق أن يُؤخذ، في وقت يخاطر فيه آلاف الفلسطينيين بحياتهم يوميًا؟ أليس الصمت، في لحظة كهذه، خيارًا سياسيًا بحد ذاته؟

قد يُقال إن الفيلم يرمز لصراعات أخرى، كالغزو الروسي لأوكرانيا. لكن التوقيت، وعدم التوازن في القوى، واللمسة العرقية الواضحة، تجعل من فلسطين الرمز الأقرب.

لا يحتاج المرء إلى خلفية أنثروبولوجية ليرى كيف يُصوَّر سكان “جهرانبور” على أنهم ضحايا بسطاء، ذوو بشرة سمراء، وسط عالم عنيف وغير عادل. أما اسم الدولة، فبدا وكأنه اختير ليبدو “شرق أوسطيًا بما يكفي” لجذب تعاطف غربي سريع وسطحي. في المقابل، يظهر البورافيون كدولة قوية، منظمة، تحمل امتيازات واضحة — صورة مكرسة للغرب كما نعرفه، تُعاد إنتاجها في أعمال ثقافية كهذا الفيلم.

صحيح أن الفيلم لا يصوّر الاحتلال كشيء إيجابي، لكن مقاربته تبقى سطحية وغير ناضجة. لا نجد فيه معالجة حقيقية لقضايا مثل الفصل العنصري، حرمان الناس من حقوقهم، نقص الموارد، الجوع، أو النكبات الممتدة لعقود. كل ذلك يُمرّر بسرعة أو يُتجاهل كليًا.

وفي وقت يمر فيه عامان على الإبادة الجماعية في غزة، يصبح الفن — إن لم يقترن بفعل حقيقي — مجرّد استهلاك. الحركات المناهضة للاستعمار تدعو للمقاطعة، سحب الاستثمارات، والمقاومة. نعم، الفيلم “يلمح”، لكنه في النهاية فيلم يحقق أرباحًا — تخطت 200 مليون دولار منذ إطلاقه — تذهب إلى صناعة سينمائية متهمة أصلاً بخدمة الأنظمة القمعية أكثر من شعوبها.

ولا ننسى أن هوليوود، التي كنا نأمل أن تكون آخر معاقل التضامن مع فلسطين، هي نفسها التي أعطت غال غادوت منصةً للترويج لدعاية الاحتلال دون أدنى اعتبار للعدالة أو التوازن.

في النهاية، قل ما تشاء عن هذا الفيلم، لكن إن ترك لك انطباعًا بأنه يخدم قضية نبيلة — من فلسطين إلى مناهضة الاستعمار في أي مكان آخر — فدعنا نكون صريحين:

لا ينبغي أن يمنحك هذا الانطباع.

اقرأ أيضا

أفلام ديزني الجديدة 2025: قائمة مرتقبة لعشاق الخيال والمغامرة

شارك(ي) هذا المقال