في صباح هادئ خلال سنته الأخيرة في الجامعة، جلس مروان موسى في المطبخ منكّباً على حاسوبه المحمول. كان قد أنهى لتوّه فطوره مع والده، الذي غادر إلى عمله حوالي العاشرة صباحاً. وعندما عاد في المساء، وجده في الوضعية نفسها تماماً—ظهره متيبس، عينيه معلقتان بالشاشة، وسماعات الرأس ملتصقة برأسه. مرّت ساعات طويلة من دون أن يتحرك، إذ كان منشغلاً بصناعة الإيقاعات طوال اليوم. يروي موسى لمجلة MILLE أن والده اعترف له لاحقاً قائلاً: “ذلك اليوم عرفت أنك ستصبح موسيقياً، لأنك قضيت كل هذا الوقت تفعلها من دون مقابل.”
اللافت أن موسى، البالغ من العمر ثلاثين عاماً اليوم، لم يكن ينوي أصلاً أن يصبح أبرز وجوه الراب المصري. لوهلة بدا أن مستقبله سيكون خلف الكاميرا. درس السينما والإخراج في إيطاليا لأربع سنوات، وجرّب العمل في الأفلام، بل وانتقل إلى لوس أنجلوس عام 2016 للتدرّب على هندسة الصوت. لكن شيئاً ما في داخله كان يشدّه نحو الموسيقى بشكل لا يمكن مقاومته. يقول: “عندما بدأت الإنتاج الموسيقي، اكتشفت أنني أستمتع به أكثر بكثير من أي شيء له علاقة بالسينما.”
كان ذلك لحظة وضوح حاسمة. الفنان المصري-الألماني أدرك أن صناعة الإيقاعات تمنحه سعادة لا تضاهيها أي تجربة أخرى. فاستسلم لذلك الشغف. صحيح أن تلك الساعات الطويلة التي قضاها في المطبخ لم تكن بدافع الطموح بقدر ما كانت أشبه بالهوس، لكنها شكّلت الأساس لمسيرة أعادت تعريف ما يمكن أن يكون عليه صوت الراب المصري.
قصة صعود موسى هي أيضاً قصة تحوّل الراب المصري من مجرّد ثقافة فرعية إلى حركة كاملة. أطلق ألبومه الأول بالمنسبة عام 2017، تبعه في العام التالي بألبومَيْ روسيا والبرازيل. لكن الانطلاقة الكبرى جاءت مع مشروعه بروباغاندا عام 2019، الذي رسّخ مكانته كأيقونة بحد ذاته.

Courtesy of adidas
مع نهاية العقد الثاني من الألفية، بدأ عدد من الرابرز يشقون طريقهم في المشهد الموسيقي، فيما كانت أصوات التراب الثقيلة تتصاعد في شوارع القاهرة. لكن مروان موسى جاء ليكسر النمط، مقدّمًا شيئًا مختلفًا تمامًا. كانت إيقاعاته أكثر نعومة وإتقانًا، وتدفقاته أكثر مرحًا وخفة، أما إشاراته الثقافية فكانت محلية بلا مواربة. لم يكن يحاول استنساخ مشهد أتلانتا أو لندن، بل كان يسعى لأن يكون صوته مصريًا خالصًا. يقول موسى: «ما بحبش أسمع رابر مصري بيعمل أغنية تراب أمريكية. بحس ده بيضيع أصالة المشهد كله. المفروض نغوص في الكنز اللي موجود في ثقافتنا».
هذا التوجه أصاب قلب جمهور كان متعطشًا لسماع راب يعكس هويته الخاصة، لا نسخة مستوردة من الخارج. وهكذا، سرعان ما أصبحت أغاني موسى هي الأكثر حضورًا في سيارات الشباب وساحات المدارس في كل أنحاء مصر.
جزء كبير من هذا التميز يعود إلى خلفيته الشخصية. فقد وُلد في مدينة الإسماعيلية لأب مصري وأم ألمانية، ونشأ بين عالمين مختلفين تمامًا. هذا التناقض صاغ شخصيته الفنية: «شخصيتي وصوتي مصري، لكن طريقة استخدامي للتكنولوجيا أقرب للألمان»، كما يوضح. هذا المزج سمح له بأن يتبنى عفوية اللهجة المصرية وثقافة الشارع، مع تطبيق دقة وانضباط أشبه بالهندسة الألمانية على عمله. بالنسبة له، الراب لم يكن قالبًا موسيقيًا للتقليد، بل أداة لبناء شيء جديد.
بمرور السنوات، أطلق موسى ألبومات وأغاني حققت نجاحًا كبيرًا، من بينها أغنيته الكلاسيكية بطل عالم عام 2022، إضافة إلى فيديوهات موسيقية حظيت بإشادة نقدية، وأسّس شركته الخاصة Raks Mal Record. كما دخل في مواجهات علنية مع رابرز آخرين، وحصد جوائز مرموقة في All Africa Music Awards (AFRIMA) عام 2022 في داكار، بينها أفضل رابر، أفضل كاتب كلمات، أفضل فنان هيب هوب، وأفضل فنان صاعد.
وبحلول 2023، أصبح ثالث أكثر فنان هيب هوب عربي استماعًا على الإطلاق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لكن هذه المرحلة، التي كان يفترض أن تكون من أسعد لحظات حياته، تزامنت مع واحدة من أقسى محطات عمره: فقدانه لوالدته. ستة أشهر كاملة لم يستطع خلالها حتى سماع الموسيقى. الشيء الذي كان دائمًا ملاذه صار عبئًا لا يُحتمل.

Courtesy of adidas
كل ما تبقى له كان هاتفه، حيث كان يفرغ ثقل حزنه في تطبيق الملاحظات كلما أصبح الألم أكبر من أن يحتمله عقله. يقول: «لما كانت الأفكار بتبقى قوية جدًا في دماغي، ما كانش ينفع أفضل ساكت. كنت لازم أكتبها. ده اللي خلاني أفضل متماسك». ويضيف: «أنا محتاج دايمًا أفضي دماغي».
تلك الملاحظات تحوّلت لاحقًا إلى الهيكل الأساسي لألبومه “الرجل الذي فقد قلبه” عام 2024، وهو رحلة حداد مطبوعة على الأسطوانات. الألبوم ضم 23 تراك موزعة على خمسة أقراص، كل واحد منها يتتبع مرحلة من مراحل الفقد: الإنكار، الغضب، المساومة، الاكتئاب، ثم القبول. بعض الأغاني أخذت عينات من صوت محمد منير، وأخرى مالت إلى التراب، وأخرى اعتمدت على البيانو فقط. خليط غير متوازن، فوضوي، ومؤلم بقدر ما هو إنساني—لأن هذا بالضبط ما يشبهه الحزن.
جرأته على الذهاب إلى أماكن نادرًا ما يسمح بها الراب—أماكن الهشاشة—هي ما تجعله فنانًا فريدًا. ومع ذلك، ورغم كل الثناء الذي حصده، لم يبدو مثقلًا بهذه المكانة. أن يُعتبر أحد الأصوات المؤسسة في مشهد الراب المصري لم يهزّه. يقول: «الضغط جاي مني أنا على نفسي. اللي بيشغلني مش الألقاب الكبيرة، لكن الشغل نفسه—قد إيه أقدر أعمل أغاني، قد إيه أحقق هيتات، قد إيه أخلق لحظات ثقافية. زي لاعب الكورة، لازم يفضل محافظ على مستواه».
على مرّ السنوات، أثبت مروان موسى أنه فنان متحوّل كالحرباء؛ يتنقل بسهولة بين التراب والإلكترو، ويستعير إيقاعات الشعبي ليصوغ منها موسيقى جديدة، ولا يخشى أن يكشف عن لحظات من هشاشته في مشهد اعتاد على التفاخر. هذه القدرة على التلوّن رسّخت مكانته، لكنه اليوم يسعى إلى ما هو أعمق: تعزيز البصمة المصرية في موسيقاه عامًا بعد عام.
مؤخرًا، بدأ في أخذ عينات من أسطوانات السبعينيات القديمة، ودرّب نفسه على المقامات العربية، كما جرّب العزف على كيبورد مليء بالأصوات التراثية. حلمه أن يعيد تفكيك تسجيلات لعبد الحليم حافظ ليحوّلها إلى تركات راب، أو أن يصطدم إيقاع الشعبي الصاخب بإنتاجات عصرية حديثة. يقول موسى: «المقامات، الألحان، الأصوات… ثرية جدًا، ولسه في حاجات كتير محدش لمسها».

Courtesy of adidas
ذلك الفضول نفسه يتجاوز حدود الاستوديو. فموسى لطالما امتلك حسًا لافتًا في الأناقة، يمزج الملابس الرياضية الكلاسيكية مع القصّات المُفصّلة، تمامًا كما يمزج الإيقاعات في موسيقاه. هذا الحس جذب انتباه أديداس، التي استعانت به لإعادة إطلاق حذاء Superstar الأيقوني. بالنسبة لموسى، كان في التعاون شاعرية خاصة: علامة رياضية ألمانية تطلب من فنان نصفه ألماني أن يعيد تقديم أحد أكثر الأحذية تأثيرًا في تاريخ الهيب هوب، خلال حفل إطلاق حصري أقيم الأسبوع الماضي.
داخل مستودع صناعي ضخم في دبي، كان المكان مكتظًا، الأجساد متلاصقة والجو مشبع بالتوتر والترقّب. صعد مغنيا الراب المحليان Saud G وSanto لتسخين الأجواء قبل أن يطل موسى على المسرح. وما إن ظهر حتى انفجر المكان حماسًا، والجمهور يردّد كلماته كلمة بكلمة، وكأن القاهرة قد انتقلت إلى الخليج لليلة واحدة. يقول موسى: «الإحساس رائع لما تغني للناس بره مصر. أحيانًا بيشتاقوا لك أكتر من اللي عايشين حواليك طول الوقت».
بالطبع، الـ Superstar ليس مجرد حذاء رياضي. يتذكر صاحب تراك تسلا كيف كان يراه في وثائقيات الهيب هوب التي التهمها في طفولته، دائمًا مرتبطًا بفرقة Run DMC. يوضح: «الحذاء لعب دورًا ضخمًا في ثقافة الهيب هوب. هو كلاسيكي، وتأثيره وقيمته الثقافية هائلة». بالنسبة له، لم يكن التعاون صفقة تسويقية بقدر ما كان جسرًا يربط الماضي بالحاضر—أخذ شيء له تاريخ وإعادة صياغته لجيل جديد. وهو بالضبط ما ظل يفعله مع الراب المصري طوال مسيرته.
بالنسبة لأديداس، فقد أعاد موسى تقديم الـ Superstar. أما بالنسبة لمصر، فقد أصبح هو نفسه سوبرستار—رغم أنه لن يقولها بصوت عالٍ. قد يتجنّب موسى التصريحات المطلقة حول من يكون أو أي دور يؤدي، لكن أثره لا يمكن إنكاره. ما زال هو ذاك الشاب في المطبخ، الذي يفقد الإحساس بالوقت لأن البيت يُلحّ عليه. الفارق الوحيد أن الإيقاعات التي يصنعها اليوم تعيد تشكيل فكرة جيل كامل عمّا يمكن أن يكون عليه الراب المصري. إنه في آنٍ واحد مؤرّخ للماضي ومستكشف للمستقبل، ينبش الأصوات المنسية ويدفع الثقافة إلى الأمام. هشّ لكنه لا يساوم، محلي لكنه عالمي. ربما لهذا يصعب حصره في وصف واحد. إنه أيقونة مصر المترددة—التي لا تتوقف عن البناء والتجريب ورفض الركود.
اقرأ أيضا
مروان موسى يكشف عن 10 أشياء لا يستغني عنها في جولته