تأتي لحظة يفقد فيها قضاء العطلة الصيفية وسط آلاف السياح المتكدسين أمام نافورة تريفي شيئًا من جاذبيته. وإن كانت خوارزميات مواقع التواصل قد أقنعتكم بأن الصيف الأوروبي يبدأ وينتهي في باريس أو بوسيتانو أو ميكونوس، فقد حان الوقت للنظر إلى قبرص بوصفها بديلًا يستحق الاهتمام.
على بُعد رحلة جوية قصيرة من معظم دول الشرق الأوسط، تجمع الجزيرة المتوسطية كل ما يسافر الناس عبر القارة بحثًا عنه، لكن من دون الأسعار المبالغ فيها أو الحشود السياحية المرهقة.
لذلك، ليس مستغربًا أن تصبح قبرص وجهة مفضلة للمسافرين من الشرق الأوسط، ممن يبحثون عن سهولة الرحلة القصيرة من دون التخلي عن أجواء الصيف الأوروبي المنشودة.
ومن الساحل الجنوبي للجزيرة، يبدو لبنان قريبًا بصورة لافتة. حتى إن البعض يقول إنه يمكن في الأيام شديدة الصفاء رؤية البترون على الضفة الأخرى من البحر المتوسط. وسواء كانت قوة بصركم تسمح بذلك أم لا، تظل المسافة قصيرة بشكل مفاجئ. ويمكن الشعور بهذا القرب في الطعام، وسماعه في الأحاديث الدائرة من حولكم، وملاحظته في أعداد الزوار اللبنانيين والإماراتيين والسعوديين الذين يعودون إلى الجزيرة صيفًا بعد آخر.
جمال قبرص مباشر وغير متكلف. للضوء هنا طبيعة مختلفة؛ يبدو أكثر نعومة، لكنه في الوقت نفسه أكثر سطوعًا، ويمتد طويلًا خلال أمسيات تأبى أن تنتهي.
وتتمتع قبرص بأكثر من 300 يوم مشمس سنويًا، ما يجعل حتى اللحظات اليومية البسيطة تبدو وكأنها مشاهد سينمائية. تتدرج مياه البحر بين الفيروزي والأزرق الداكن، بينما تتبدل تضاريس الداخل فجأة من بساتين الزيتون إلى الجبال الوعرة. ويصبح هذا التناقض أكثر إثارة عندما تبدأون في اكتشاف تاريخ الجزيرة متعدد الطبقات.
على مدى آلاف السنين، تنقلت قبرص بين إمبراطوريات وقوى عدة، من الإغريق والرومان إلى البيزنطيين والعثمانيين والبريطانيين. ولذلك، يصعب السير في أي مكان من دون مصادفة أثر من آثار هذا التاريخ.
فقد تجدون أنفسكم في لحظة مستلقين بجوار مسبح لا متناهٍ، وفي أيديكم مشروب ليتشي منعش، ثم تنتقلون في اللحظة التالية إلى قرية جبلية يصنع سكانها النبيذ منذ قرون.
منتجع متكامل بين أوروبا والشرق الأوسط
في قلب التجربة القبرصية المعاصرة يقع منتجع City of Dreams Mediterranean، وهو مجمع ضخم على أطراف مدينة ليماسول، يقدّم نفسه باعتباره أول منتجع متكامل من نوعه في أوروبا.
يظهر حجم المكان واتساعه منذ اللحظة الأولى. لكن الغرف لا تبدو مبالغًا فيها، بل مصممة بعناية، بألوان حيادية هادئة ونوافذ تمتد من الأرض إلى السقف، فتجعل المشهد الخارجي جزءًا من المساحة الداخلية.
حتى الحمامات تحمل لمسات واضحة من الرفاهية، إذ تضم مستحضرات من علامة Natura Bissé، فتحوّل نشاطًا بسيطًا مثل غسل اليدين إلى طقس صغير من العناية بالنفس.
يضم المنتجع تسعة مطاعم، من بينها Amber Dragon، الذي يقدم أطباقًا يابانية بلمسات مبتكرة. تبدأ التجربة بمحار مقرمش، خفيف القوام وغني بالنكهة، يليه دجاج سيتشوان الحار، الذي يحتفظ بتوازنه رغم قوة التوابل.
وتُقدّم لفائف الماكي بدقة لافتة، بينما يخفف مشروب الليتشي الحلاوة من ثقل الأطباق بنكهة ناعمة تبقى طويلًا.
وفي أمسية أخرى، يمنح المطعم الفرنسي Anaïs التجربة طابعًا مختلفًا تمامًا. تأتي سلطة السبانخ والخرشوف طازجة وبسيطة من دون تكلف، بينما يجمع الأخطبوط المشوي بين النكهة المدخنة والطراوة، في طبق يدفعكم إلى التمهل بين لقمة وأخرى.
يشكل الكازينو نقطة مركزية في المنتجع، ويستقطب تدفقًا مستمرًا من الزوار. كما تضيف مجموعة من المتاجر الفاخرة، من بينها Cartier وBreitling وIWC Schaffhausen وHublot وBulgari، طبقة أخرى من الرفاهية.
ورغم أنه كان من السهل أن يبدو مكان بهذا الحجم منفصلًا تمامًا عن محيطه، فإن حضور قبرص يظل محسوسًا في الخلفية.
تجربة استرخاء تعيد الجسد إلى توازنه
يقدم Renu Spa واحدة من أكثر التجارب هدوءًا داخل المنتجع. اخترت جلسة تدليك لمدة 90 دقيقة، بدأت باستشارة قصيرة، قبل الانتقال تدريجيًا بين تقنيات تبدأ بضغط لطيف، ثم تتطور إلى حركات أعمق وأكثر تركيزًا.
لا تلتزم المعالِجة بروتين ثابت أو متسرع، بل تمنح نفسها وقتًا لفهم مواضع التوتر في الجسد وتعديل الجلسة وفقًا لذلك. وتُستخدم الزيوت الدافئة بحركات طويلة ومتواصلة، تكاد تشبه التأمل.
مع انتهاء الجلسة، يمكن الشعور بتغير واضح في الطريقة التي يحمل بها الجسد نفسه. لكن التجربة لا تنتهي هنا، إذ يمكن بعدها استخدام الساونا والبقاء قليلًا في حالة الاسترخاء، قبل الانتقال إلى حوض المياه الباردة، الذي يعيد تنشيط الجسد في ثوانٍ.
شاطئ من دون شاطئ
لا يقع الفندق مباشرة على البحر، وقد يبدو ذلك في البداية نقطة سلبية. لكنه يقدم بدلًا من ذلك تصورًا جديدًا لتجربة الشاطئ، من خلال رمال حقيقية تحت الأقدام ومقاعد مغمورة جزئيًا في المياه، تمنحكم إحساس الجلوس على حافة البحر.
ويتحول Grand Pool إلى المركز الاجتماعي للمنتجع، خصوصًا خلال فعالية Wet Glam، وهي سلسلة صيفية أسبوعية تغيّر أجواء المكان ليصبح أقرب إلى مهرجان نهاري.
كل يوم سبت، يتخلى المسبح عن أجواء الاسترخاء الهادئة، ليتحول إلى حفلة نهارية متكاملة، تجمع منسقي موسيقى عالميين وعروضًا حية وجمهورًا متنوعًا على نحو منعش.
انطلقت السلسلة في 4 يوليو مع منسق الموسيقى الأسترالي Timmy Trumpet، وتستمر طوال الموسم ببرنامج يضم أسماء لافتة، من بينها DJ Bliss، أحد الأسماء المحبوبة في دبي، والثنائي الألباني RBOR، وفنان الدانسهول السويدي Million Stylez، إلى جانب النجم اللبناني وائل كفوري، الذي يُتوقع أن يجذب حفله وحده زوارًا من مختلف أنحاء المنطقة.
وتعكس هذه البرمجة طبيعة قبرص نفسها، فهي تقف بسهولة بين أوروبا والشرق الأوسط، وتستقطب جمهورًا من الجهتين.
خارج المنتجع تبدأ قبرص الحقيقية
مع ذلك، لا يمكن فهم قبرص فعلًا من دون مغادرة المنتجع، ولو ليوم واحد.
تقودكم رحلة بالسيارة إلى جبال ترودوس، حيث تقع قرية أومودوس التي تبدو وكأنها متوقفة في الزمن. وتحكي الطريق نفسها جزءًا من قصة الجزيرة، إذ لا تزال مساحات من الأرض تحمل آثار حرائق الغابات الأخيرة التي أتت على أجزاء واسعة منها.
تقف الأشجار المتفحمة إلى جوار نباتات جديدة بدأت في النمو، في مشهد هادئ يختصر الفقد والقدرة على التعافي، ويعكس في الوقت نفسه جانبًا من تاريخ قبرص الأوسع.
تقع أومودوس بين التلال، وتفتح شوارعها الضيقة على ساحات صغيرة ومتاجر عائلية. وتحتل كنيسة الصليب المقدس قلب القرية، بينما تكشف معصرة نبيذ تعود إلى العصور الوسطى عن عمق علاقة الجزيرة بصناعة النبيذ.
كما تضم القرية متحفًا مخصصًا للنضال من أجل التحرر الوطني، يربط المكان بفصل أكثر حداثة من تاريخ قبرص، ويذكّر الزائر بأن قصة الجزيرة لا تزال تُكتب حتى اليوم.
عند العودة إلى City of Dreams Mediterranean، يصبح التناقض بين الماضي والحاضر أكثر وضوحًا. تنجح قبرص في احتضان الاثنين من دون محاولة دمجهما بالقوة، وتسمح لزوارها بالتنقل بين قرون مختلفة خلال يوم واحد فقط.
وربما هذا تحديدًا ما يجعلها تبرز وسط وجهات الصيف المتوقعة. فقبرص لا تحاول أن تكون باريس أو إيطاليا، وهذه بالضبط هي نقطة قوتها.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.