لماذا يعودُ الشباب العرب من الدّول الغربيّة؟

لا مكان يُضاهي الوطن.

byأمينة الكعبي

كان عمري اثنتي عشرة سنة إلا شهراً واحداً عندما قرّرت أمّي أن تأخذنا إلى أمريكا. لم يكن لديّ فكرة عمّا أنا كنت مقبلة عليه، حيث كان كلّ ما عرفته حتّى تلك اللحظة هو ما يعنيه كوني تونسيّة. اكتسبت شخصيّات عديدة منذ ذلك الحين: عربيّة وأمريكيّة ومُسلمة وهويّتي كشخص ينتمي لأقلّية. تتوّجت هذه العوامل في محاولة لتطبيع أزمة هويّة مُستعرة داخلي، وهو الأمر المعروف جدّاً بالنسبة للأطفال المهاجرين أمثالي.

 

عندما ننتقلُ إلى الغرب نميلُ حتماً لتحقيق الانخراط والتكيُف مع البيئة الجديدة بحيث ينتهي بنا المطاف وقد خلقنا مجموعة من الهويّات التي نتنقّل بينها باستمرار.

 
إنّها استراتيجيّة عظيمة، ولكن ما ينتج عن ذلك هو حياة مزدوجة ومنفصمة يتحتّم عليكم التقلّب فيها برشاقة بهلوان! وسواء أكنتم تعملون في السيرك أم لا، فإنّ البهجة تتلاشى عندما تستمرّون بفعل ذلك لفترة طويلة! الانتقال الدائم بين هذه الهويّات يصبح مُتعِباً، ولكن لا شيء أكثر إزعاجاً للنفس من الاضطرار الدائم لتبرير الهويّة أمام الآخرين.

أمّا أنا، فقد أصبحت متعَبةََ جدّاً لدرجة أنّني قرّرتُ المغادرة! لم أكن وحيدة في هذا القرار. حيث ظهر ميل متنامٍ لدى الكثيرين من العرب أمثالي للعودة إلى أوطانهم في السنوات الأخيرة. وبالرغم من وجود مثل التقرير الذي تمّ نشرُهُ من قبل World Bank Group والذي يدّعي أنّ العديدين منّا سيمتنعون عن العودة إلى أوطانهم بسبب النقص الواضح في فرص العمل، ولكنّ هذه التقارير ليست دقيقة على أرض الواقع، لأنّها تحطّ من شأن المشاعر التي تغمرُنا عند العودة إلى الوطن.

 

هنالك نوعٌ من الإغراء في أن يعيش المرء في بلدهِ الأصليّ، وهو شيء لن تفهموه إذا لم تختبروا ذلك بأنفسكم. قد تتجاهلون الأفكار التي يولّدها الحنين للوطن من أجل التمسّك بشيء حقيقيّ، كأن تكون لديكم الفرصة لإعادة الارتباط بجذوركم. وبالنسبة لي شخصيّاً أنا أستمتعُ بالإيقاع البطيء للحياة اليوميّة، وأن أتكلّم بلغتي الأمّ، وأكثر من ذلك أنّ أستمتع بالخبز والمعجّنات الطازجة من المخبز المحلّي.

 

هذا لا يعني أبداً أنّ العيش هنا كان تجربة سحريّة خارقة، بل هي بالفعل تجربة قاسية! فأنا أفتقدُ توفّر صلصة التاباسكو الخضراء التي أحبّها على سبيل المثال، كما أفتقدُ التاكيتو التي يقدّمونها في 7/11! وأكثر من ذلك، أفتقدُ القدرة على الذهاب الساعة الثالثة صباحاً إلى CVS الذي يفتح أبوابه أربعة وعشرين ساعة، لأشتري الكمأة من نوع Hershey’s Symphony مع لوح شوكولا اللوز الذي لطالما أحببته.

 

ولكنني وصلت إلى مرحلة بتُّ فيها أقبل عدم الحصول على أيٍّ من هذه الأشياء. ما أفتقدهُ فعلاً هو وجود حكومة محليّة منظّمة. بدأتُ أمقت البيروقراطيّة منذ عودتي إلى تونس (قضيت ثلاثة أسابيع أتردّدُ على أربعة مكاتب لمجرّد الحصول على بطاقة هويّة حكوميّة رسميّة!). لا يقتصر هذا الوضع على تونس؛ ولكنّ انتظار سيارة أجرة لمدّة دقيقتين أصبح خبرةً مروّعة! أمّا أكثر ما أكرهه هنا، فهو الكراهية المتفشيّة للنساء، والتمييز القائم على الجنس – المتأصلة في ثقافتنا.

 

ومن ناحية أخرى، لم أعُد محسوباً على الأقليات، ولكنّ هذا لا يعني أنني لم أعد أعاني من بعض مشاكل الهويّة هنا. فقد ترك الاستعمار الفرنسي آثاره على تونس لدرجة أنّ كوني غربيّ هو في الحقيقة أمرٌ مقدّرٌ أكثر من كوني تونسيٌّ! وبالرّغم من أنّها قضيّة إشكاليّة، إلّا إنّها لا تؤثّر على صحّتي العقليّة بقدر ما يؤثّر اضطراري لنقل هويّاتي الثقافيّة المختلفة معي أينما ذهبت.

 

والآن، إنّ أكثر الأشياء إزعاجاً هو اضطراري للإجابة على أسئلة الناس عن سبب تركي للولايات المتّحدة! ما أدهشني أنّ التونسيّين المحلّيّين -الذين لم يغادروا يوماً إلى أيّ بلدٍ غربيّة- هم الذين في العادة يوجّهون هذه الأسئلة أكثر من غيرهم! إنّه أمرٌ مُحزنٌ بالفعل لأنّ الأسئلة معظم الوقت تكون مُشبَعة بالدّهشة وعدم التصديق وانعدام الثقة – وكأنما ليس لدى تونس أيّ شيء لتقدّمه!

 

لا أستطيع لومهم، فلربّما ليس لدى تونس أيّ شيء تقدّمه لمعظم ساكنيها بالفعل! إنّ إدراكي لهذا الأمر يجعلني أميّز وأفهم حظّي الجيّد، إذ أدركتُ -بالرغم من ذلك- أنّ وجود جواز السفر الأزرق واللكنة الأمريكية الممتازة هما أمران مفيدان جدّاً هنا، ولا أقصد أنهما شيئان نافعان لي فقط، بل إنّ الأمر يتعدّاهُ لأكثر من ذلك.

 

إنّ قرارنا، كأفراد من الشتات، في أن نغادر حياتنا الغربيّة المريحة للعودة إلى أوطاننا التي ما تزال قيد التطوير؛ هو قرار أعمق بكثير من مجرّد رغبة بالانتماء. بالإضافة للأنانية التي تقودنا للوجود في مكانٍ ننخرطُ فيه؛ نريد المساعدة أكثر من أيّ شيء آخر. فمن عساهُ يكون أفضل منّا لإنعاش بلادنا يا ترى؟

 

اسمعوني جيّداً، فأنا سأكون صادقة بشكل قاسٍ هنا: في معظم الأحيان، يرغب أهالي المنطقة الذين لم يفلحوا أبداً بالخروج منها في المساعدة أيضاً، ولكن حكوماتنا الفاسدة في بعض الأحيان، قلّما تعطيهم الفرصة لتحقيق ذلك! ولذلك يستسلم الكثيرون منهم في وقتٍ مبكّر، ويقضون ما تبقّى من حياتهم وهم يحاولون المغادرة.

 

إلا أنّهم، وعلى الرغم من فشلهم في إدراك واستيعاب إمكانيّاتنا، وبالرّغم من لهاث الكثير من الأهالي المحليين الذين صُدموا لاختيارنا الطوعيّ مغادرة حياتنا الغربيّة (التي ينظرون إليها على أنّها أفضل من حياتهم على الأقلّ)؛ يبقى قرار العودة هو القرار المنطقيّ بالنّسبة للعديد منّا.

 

الأمرُ بغاية الوضوح.. فنحن نشعر دوماً بالتّعلق بأرض الوطن، خصوصاً وأنّنا متعلّمون، وبلادنا تحتاج لمن هم في خبرتنا.

 

 

صور ل Sarah Ben Romdane

شارك هذا المقال