عندما يعلن الفنانون العالميون عن “جولة عالمية”، فعادة ما يكون المقصود جولة تمر عبر العواصم الغربية الكبرى، بينما يبقى الجنوب العالمي خارج الخريطة تقريبًا. لكن مايكل جاكسون لم يكن فنانًا يتحرك وفق القواعد المعتادة. ففي ذروة شهرته، أصرّ على أن تصل موسيقاه إلى أبعد من المراكز التقليدية للصناعة، وأن تُعزف أغانيه أينما وُجد جمهور مستعد للاستماع.
ورغم المسافات التي قطعها والمسارح التي اعتلاها، لم يُحيِ جاكسون سوى حفل واحد في العالم العربي—وهو أكثر مما فعله كثير من نجوم جيله أصلًا. وكان ذلك في قلب العاصمة التونسية، حين صعد إلى خشبة الملعب الأولمبي بالمنزه ليلة 7 أكتوبر 1996، ضمن جولته العالمية HIStory World Tour، التي جاءت ترويجًا لألبومه HIStory: Past, Present and Future, Book I الصادر عام 1995.
استقطب الحفل أكثر من 60 ألف شخص، فيما تابع الملايين النقل التلفزيوني المباشر في مختلف أنحاء البلاد. وعلى الورق، بدا الأمر وكأنه محطة واحدة ضمن جولة عالمية طويلة، لكنه تحوّل مع الوقت إلى لحظة استثنائية في الذاكرة الجماعية للمنطقة—المرة الوحيدة التي وصلت فيها إنتاجات مايكل جاكسون الكاملة إلى هذا الجانب من العالم.
وللإعلان عن الحفل، وجّه نجم البوب الراحل رسالة مصوّرة قصيرة إلى التونسيين، قال فيها أمام الكاميرا: “مرحبًا بشعب تونس! أنا قادم لرؤيتكم. إن شاء الله يوم 7 أكتوبر. لا أستطيع الانتظار—أنا أحبكم كثيرًا. إلى اللقاء!”
كانت رسالة بسيطة، لكنها نجحت في تقليص المسافة الهائلة التي تفصل عادة بين الجمهور العربي والنجوم العالميين. ومع مرور السنوات، بقي السؤال حاضرًا: كيف وصلت جولة بهذا الحجم، يقودها أشهر فنان على الكوكب تقريبًا، إلى تونس تحديدًا؟
تكمن الإجابة عند تقاطع السياسة والطموح والتوقيت. ففي منتصف التسعينيات، كانت تونس—في عهد الرئيس الراحل زين العابدين بن علي—تحاول ترسيخ صورتها كدولة مستقرة ومنفتحة على العالم، عبر الاستثمار في الأحداث الثقافية الكبرى وجذب الأسماء العالمية. لذلك، لم يكن استضافة مايكل جاكسون مجرد حدث ترفيهي، بل خطوة تحمل دلالات سياسية ورمزية واضحة. كانت البنية التحتية متوفرة، والدعم الرسمي حاضرًا، كما انسجم الحدث مع رغبة البلاد في ترسيخ حضورها داخل المشهد الثقافي الدولي.
وفي قلب هذه القصة، يبرز اسم طارق بن عمار، رجل الأعمال والمنتج السينمائي التونسي، وابن شقيقة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. فقد لعب دورًا محوريًا في جلب جاكسون إلى تونس، خصوصًا أنه كان، بين عامي 1996 و1998، مدير أعماله والمنتج الرئيسي لجولة HIStory World Tour.
وبحسب عدة تقارير، كانت مدينة الدار البيضاء مرشحة في البداية لاستضافة الحفل الوحيد للجولة في المنطقة، قبل أن تؤدي مخاوف أمنية إلى إلغائه. عندها، يُعتقد أن بن عمار استغل شبكة علاقاته لإعادة توجيه الحفل إلى تونس. ورغم أن تفاصيل هذه الرواية لا تزال موثقة جزئيًا فقط، فإنها تكشف حقيقة أوسع: وصول مايكل جاكسون إلى تونس لم يكن صدفة، بل نتيجة تلاقي النفوذ والطموح والظروف المناسبة في اللحظة المثالية.
وبعد ما يقارب ثلاثة عقود، لا يزال ذلك الحفل يعيش خارج زمنه. تستمر مقاطع الفيديو المهتزّة والتسجيلات التلفزيونية القديمة في الانتشار، وكأنها محاولة دائمة لإثبات أن تلك الليلة حدثت فعلًا. فبالنسبة إلى كثيرين، لا يزال الأمر يبدو أقرب إلى الأسطورة: مايكل جاكسون، في تونس.
ومع عودة الاهتمام بإرثه الفني، خاصة بعد صدور فيلم السيرة الذاتية Michael، عادت صور تلك الليلة إلى الواجهة من جديد، كتذكير بلحظة نادرة بدا فيها وكأن مركز الثقافة العالمية تحرّك—ولو مؤقتًا—نحو هذا الجانب من العالم.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.