لطالما كانت ملاعب كرة القدم أكثر من مجرد فضاءات رياضية تُقام فيها المباريات. ففي أنحاء كثيرة من العالم، تحولت المدرجات إلى منصات للتعبير عن الغضب السياسي، ومناقشة القضايا الاجتماعية، وإيصال أصوات يصعب أحياناً أن تجد طريقها إلى الفضاءات العامة الأخرى. ولم تكن المنطقة العربية استثناءً من هذه القاعدة، إذ اعتادت مجموعات المشجعين على استغلال كرة القدم للتعبير عن مطالبها وانتقاداتها للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ويُعد المغرب من أبرز الأمثلة على ذلك. فخلال السنوات الماضية، نجحت مجموعات الألتراس في تحويل الملاعب إلى فضاءات للنقاش العام، مستخدمة اللافتات الضخمة والهتافات الجماعية والعروض البصرية للتعبير عن قضايا مثل البطالة والتهميش وغلاء المعيشة وانسداد الأفق أمام الشباب.
ومن أشهر هذه الهتافات أغنية «رجاوي فلسطيني» التي ارتبطت بجماهير نادي الرجاء الرياضي. ورغم أنها كُتبت في الأصل للتعبير عن التضامن مع القضية الفلسطينية، فإنها سرعان ما تجاوزت هذا الإطار لتصبح نشيداً يتناول قضايا أوسع تتعلق بالكرامة والعدالة والمقاومة والتهميش، حتى تحولت إلى واحدة من أكثر الأغاني الجماهيرية والسياسية انتشاراً في العالم العربي.
الجزائر بدورها تمتلك تاريخاً طويلاً من الهتافات ذات الطابع السياسي والاجتماعي داخل الملاعب، وهو تاريخ تطور بالتوازي مع التجربة المغربية. لكن الفارق الحقيقي بين البلدين لا يكمن في طبيعة الهتافات نفسها، بل في المسار الذي سلكته لاحقاً. ففي حين بقيت معظم الأغاني الجماهيرية المغربية مرتبطة بالمدرجات، استطاعت العديد من الهتافات الجزائرية أن تتجاوز أسوار الملاعب وتشق طريقها إلى المشهد الموسيقي العام.
ولفهم هذه الظاهرة، لا بد من العودة إلى عام 2019، حين اندلعت احتجاجات الحراك الشعبي رفضاً لترشح الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. ومع خروج ملايين الجزائريين إلى الشوارع، بدأت تتردد في الساحات هتافات كانت قد وُلدت أصلاً داخل الملاعب، أبرزها «لا كازا دالمرادية» و**«ليبرتي»**.
وقد عبّرت هذه الأغاني، التي كتبتها مجموعات الألتراس، عن حالة الإحباط التي يعيشها جزء واسع من الشباب الجزائري بسبب الفساد والبطالة والجمود السياسي وغياب الفرص. وهي القضايا ذاتها التي شكلت جوهر مطالب الحراك الشعبي. ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، تحولت تلك الهتافات إلى ما يشبه الموسيقى التصويرية غير الرسمية للحراك، واكتسبت كلماتها دلالات أعمق في ظل المطالبة بالتغيير والإصلاح السياسي.
في الواقع، كانت ملامح ما سيُعرف لاحقاً باسم «الزنقاوي» قد بدأت تتشكل بالفعل. فبعد أشهر قليلة من انطلاق الحراك، تعاون الفنان الجزائري سولكينغ مع مجموعة «أولاد البهجة»، صاحبة أغنيتي «لا كازا دالمرادية» و«ليبرتي»، لإعادة تسجيل الأخيرة داخل الاستوديو في نسخة احترافية. وكانت تلك الخطوة لحظة مفصلية نقلت الأغنية من فضاء المدرجات إلى منصات الموسيقى، وعرّفت جمهوراً أوسع داخل الجزائر وخارجها على هذا اللون الفني الجديد.
ومع استمرار الحراك وازدياد عدد الفنانين الذين استلهموا أعمالهم من هتافات الملاعب وثقافة الشارع، بدأ هذا التوجه الموسيقي يُعرف باسم «الزنقاوي»، وهي كلمة مشتقة من «الزنقة» وتعني الشارع باللهجة الجزائرية.
ويمزج هذا اللون بين الراب والراي والموسيقى الشعبية وثقافة الألتراس، ليصبح مع الوقت نوعاً موسيقياً قائماً بذاته. كما ساهم في ظهور جيل جديد من الفنانين الذين نقلوا روح المدرجات إلى الأغنية المعاصرة، من بينهم ديدين كانون 16 وفور تورينو وموح ميلانو.
ورغم أن أغاني هؤلاء الفنانين لم تعد مرتبطة بنادٍ معين أو مباراة محددة، فإنها لا تزال تتناول القضايا نفسها التي طالما حضرت في هتافات الملاعب: الإقصاء الاجتماعي، والبطالة، والهجرة، والهوية، وأحلام الشباب وتطلعاتهم وإحباطاتهم اليومية.
وبحسب وثائقي حديث لقناة «آرتي تراكس» الفرنسية الألمانية، فإن الحضور القوي للخطاب السياسي في ثقافة كرة القدم الجزائرية ليس أمراً طارئاً، بل يرتبط بتاريخ البلاد الطويل في مقاومة الاستعمار. فبعض أبرز الأندية الجزائرية وُلدت أصلاً في سياق النضال ضد الاحتلال الفرنسي.
فقد تحول كل من مولودية الجزائر واتحاد الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية إلى رمزين للهوية الوطنية والرغبة في تقرير المصير. ويمكن العثور على تجارب مشابهة في المغرب، حيث ارتبطت أندية مثل الوداد الرياضي بالحركة الوطنية ومناهضة الاستعمار.
ولا تزال هذه الذاكرة حاضرة بقوة في كرة القدم الجزائرية حتى اليوم. فهي تتجلى في الهتافات التي تتردد في المدرجات، وفي اللافتات التي تُرفع خلال المباريات، وحتى في رمزية بعض الألوان والشعارات. فعلى سبيل المثال، يُنظر إلى اللونين الأحمر والأسود اللذين يحملهما نادي اتحاد الجزائر بوصفهما تكريماً لضحايا مجازر سطيف وقالمة وخراطة في الثامن من مايو/أيار 1945، عندما قمعت السلطات الاستعمارية الفرنسية المظاهرات الوطنية بعنف، ما أدى إلى مقتل آلاف الجزائريين.
وبعد أكثر من ثمانين عاماً على تلك الأحداث، لا تزال روح المقاومة حاضرة في الملاعب الجزائرية، كما لا تزال تتردد في الشوارع والأغاني والحركات الاحتجاجية. ومن هذا المنظور، لا يبدو «الزنقاوي» مجرد نوع موسيقي جديد، بل امتداداً لمسار طويل من التعبير الشعبي والسياسي، وفصلاً جديداً في قصة بدأت في المدرجات وما زالت تتطور حتى اليوم.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.