richard-mille-logo24
كيف قامت فنانة من غزة بإخراج أكبر حفل تضامن مع فلسطين في بريطانيا؟

كيف قامت فنانة من غزة بإخراج أكبر حفل تضامن مع فلسطين في بريطانيا؟

ليلة لا تُنسى

كيف قامت فنانة من غزة بإخراج أكبر حفل تضامن مع فلسطين في بريطانيا؟

في ليلة 17 سبتمبر، امتلأت قاعة OVO أرينا ويمبلي في لندن بأكثر من 12,000 شخص لحضور حفل “معًا من أجل فلسطين” (T4P)، وهو حفل خيري امتد لأربع ساعات واختلط فيه الفن بالشهادة السياسية، والترفيه بالشهادة الحيّة. من الخارج، بدا المشهد أشبه بأي عرض جماهيري ضخم: أسماء لامعة، إنتاج بصري عالي المستوى، وبث مباشر مستمر. لكن ما كان يحدث على المسرح كان شيئًا نادرًا: حدث ثقافي تقوده الأصوات الفلسطينية، يستخدم أدوات البوب الغربي لصالح سرديات من غزة، ورام الله، والشتات العربي.

ورغم مشاركة المؤلف الموسيقي البريطاني براين إينو في إنتاج الحدث، إلا أن الإخراج الفني أوكل بالكامل إلى الفنانة التشكيلية الغزية ملاك مطر. وهو اختيار ليس مجرد تفصيل، بل نقطة تحوّل واضحة: الحفل لم يكن مجرد استعراض تضامني بطابع خيري، بل مساحة روائية خالصة للفلسطينيين أنفسهم. فبدلًا من وضع الفنانين الفلسطينيين كـ”مقدمة رمزية” قبل ظهور نجوم عالميين، وضعتهم ملاك مطر في قلب الحدث.

بدأ العزف العميق لعود عدنان جبران بتحويل الصالة إلى صمت متأمل، قبل أن ينتقل فرج سليمان وثلاثيه الموسيقي إلى مزيج من الجاز والرثاء. ناي البرغوثي تنقّلت بخفة بين الأداء العربي الكلاسيكي وعزف الفلوت، بينما صعد الفرعي على الميكروفون بنبضات الراب القادمة من عمّان ورام الله. سما عبد الهادي ختمت أحد المقاطع بإلكترونيات صاخبة بدت وكأنها قادمة من سهرة تحت الأرض في رام الله أكثر من حفل في لندن. ثم جاء سانت ليفانت، الفنان الفلسطيني-الجزائري، الذي مزج بين الإنجليزية والعربية والفرنسية، مجسدًا تمامًا معنى الهوية في الشتات.

وبين أداء وآخر، كانت أصوات عربية أخرى تخترق الجدار الثقافي. عمر سليمان، مغني الأعراس السوري الذي تحوّل إلى ظاهرة عالمية، نال إحدى أكبر صيحات الجمهور. أما أوركسترا لندن العربية وفرقة جذور للدبكة، فذكّرت الجميع بأن “الثقافة الفلسطينية” لا تختزل في نوع واحد، بل تمتد وتتفرّع وتتشكل بعدد من يحملها.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by Together For Palestine (@t4plive)

الموسيقى كانت فقط نصف القصة. الصحفية الفلسطينية يارا عيد ألقت كلمة قوية، ذكرت فيها أسماء أكثر من 270 صحفيًا فلسطينيًا قُتلوا في غزة—وكانت كلمتها من أكثر اللحظات تداولًا في المساء. الممثل والكاتب المسرحي عامر حليحل قرأ قصائد محمود درويش على المسرح، برفقة بينيديكت كامبرباتش. لحظة أظهرت التوازن الدقيق الذي حققه الحفل: الدعم الدولي حاضر، لكن القيادة فلسطينية بالكامل.

البرنامج الذي ضم 69 فنانًا ومتحدثًا لم يقتصر على العالم العربي فقط، بل استند أيضًا إلى ثقل الأسماء العالمية لضمان الوصول الأوسع. على المسرح تعاقبت أسماء مثل PinkPantheress، Bastille، Hot Chip، James Blake، Jamie xx، King Krule، Paloma Faith، Rina Sawayama، Sampha، وغيرهم. كما شاركت Neneh Cherry مع Greentea Peng في أداء أغنية “Seven Seconds”، وظهرت فرقة The Gorillaz بإصدار مرئي جديد. الممثلون فلورنس بيو، ريز أحمد، ريتشارد غير، ولويس ثيرو صعدوا لإلقاء كلماتهم. جميلة جميل كانت مضيفة الحفل.

هذا التنوع ساعد المنظمين—جمعية Choose Love البريطانية، بالشراكة مع مؤسسات فلسطينية مثل التعاون، PCRF وPMRS—في جمع أكثر من 1.5 مليون جنيه إسترليني لصالح الدعم الإنساني، قبل الإعلان النهائي للمبلغ.

تفكيك ميكانيكيات هذا المساء يُظهر مدى دقة تنظيمه. صحيفة The Guardian لاحظت مثلًا أن كامبرباتش حذف سطرًا من قصيدة درويش، حذف صغير لكنه يختصر التوتر الذي يعيشه المشاهير حين يتحدثون عن فلسطين. أما ريتشارد غير، فخرج عن النص بالكامل—وهو تصرّف يُظهر المخاطرة حتى في “أكثر أشكال التضامن أمانًا”. ومع ذلك، لم يقع الحفل في فخ النرجسية أو الاستعراض، كما تفعل كثير من الحفلات الخيرية. يد ملاك مطر التنظيمية، وكلمة يارا عيد، وتأكيد المنظمين المتكرر على أن التمويل سيذهب مباشرة إلى مؤسسات فلسطينية—كلها عوامل حفظت البوصلة.

سيُذكر “معًا من أجل فلسطين” كنجاح مالي، لا شك. لكنه سيُذكر أيضًا، وربما الأهم، كليلة تصدّرت فيها الفن، والموسيقى، والشهادة الفلسطينية المشهد، لا كملحقات رمزية… بل كقلب الحدث.

شارك(ي) هذا المقال