richard-mille-logo24
لابوبو- دمية صغيرة تكشف هشاشة الاقتصاد وجوع المستهلكين للمعنى

لابوبو: دمية صغيرة تكشف هشاشة الاقتصاد وجوع المستهلكين للمعنى

ما رأيك؟

لابوبو- دمية صغيرة تكشف هشاشة الاقتصاد وجوع المستهلكين للمعنى

فبينما تصدر الحكومات تصريحات مبهمة عن “هبوط ناعم” أو “اعتدال التضخم”، يتأقلم الناس العاديون مع الواقع بشكل فوري. تتحوّل الرفاهية إلى ما هو صغير الحجم، ويصبح الترف أكثر خفاءً، وفي مكانٍ ما داخل هذا النظام الاقتصادي المعاد ضبطه، تظهر دمية صغيرة بوجه عفريت يُدعى لابوبو ليصبح بهدوء رمز المرحلة.

لابوبو، وهو منتج من شركة الألعاب الصينية Pop Mart، مخلوق تجميعي يُباع في صناديق مغلقة (blind boxes)، ويمكن إعادة بيعه مقابل ما يصل إلى 300 دولار. لا يُعتبر نادرًا، ولا عمليًا، وبالتأكيد ليس رخيصًا بالمعنى الدقيق للكلمة. ولكن في زمن يبدو فيه الفرح موزعًا بالحصص، أصبح لابوبو ظاهرة، وظهر في صور مشاهير مثل ريهانا، وليسا من بلاكبينك، وكيم كارداشيان وهم يحملون هذه التماثيل. تُباع الإصدارات الجديدة خلال ساعات، ويتهافت الموزّعون على شراء العلب بكميات ضخمة، ومؤخرًا فقط، اصطف المتسوقون لأكثر من ساعتين في مول الإمارات في دبي للحصول على هذه اللعبة المرغوبة.

هذا النمط السلوكي من الترف في أوقات الركود — حيث تُستبدل الكماليات الكبيرة بأخرى صغيرة — له اسم في علم النفس الاقتصادي: تأثير أحمر الشفاه. شاع هذا المصطلح في أوائل الألفينات بفضل ليونارد لودر، رئيس شركة Estée Lauder حينها، بعد أن لاحظت الشركة ارتفاعًا غريبًا في مبيعات أحمر الشفاه بعد هجمات 11 سبتمبر وخلال فترات عدم الاستقرار الاقتصادي. ففي الوقت الذي كانت فيه قطاعات البيع بالتجزئة تتقلص وثقة المستهلك تنهار، كانت مستحضرات التجميل — وخاصة أحمر الشفاه — تُباع بكثافة. وعلّق لودر علنًا على هذا الاتجاه غير المتوقع، مشيرًا إلى أنه عندما تصبح الحياة صعبة، لا يتوقف الناس عن الإنفاق، بل يُعيدون ترتيب أولوياتهم: يتخلّون عن حقائب شانيل ورحلات الرفاهية لصالح أحمر شفاه عالي الجودة، يمنحهم شعورًا بالتدلل دون إسراف، وبالقوة دون أن يكون بعيد المنال.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by Time Out Dubai (@timeoutdubai)

رغم أن مفهوم “تأثير أحمر الشفاه” نشأ من ملاحظة تجارية عفوية، إلا أن دراسات أكاديمية في علم الاقتصاد السلوكي وعلم نفس المستهلكين دعمت صحته لاحقًا. بحث نُشر في مجلة Journal of Personality and Social Psychology من إعداد سارة هيل وزملائها في جامعة تكساس المسيحية، وجد أن النساء، على وجه الخصوص، أكثر ميلاً للإنفاق على المنتجات التجميلية خلال فترات الركود — ليس رغم عدم الاستقرار المالي، بل بسببه. هذه المشتريات ليست تبذيرًا غير عقلاني، بل تكيفات استراتيجية. وأشارت الدراسة إلى أن هذه الأنماط السلوكية قد تكون تطورية، مرتبطة بالمنافسة الاجتماعية وإشارات الموارد: ففي الأوقات الصعبة، تصبح المؤشرات المرئية للحيوية والجاذبية — مثل المكياج — أكثر أهمية، في وقت يتنافس فيه الناس على الفرص والعلاقات والاستقرار.

ما يجعل “تأثير أحمر الشفاه” جذابًا جدًا، هو أنه يكسر أسطورة “المستهلك العقلاني”. تفترض النماذج الاقتصادية التقليدية أن الأفراد، عند مواجهة ضغط مالي، يقومون بتقليص الإنفاق التقديري بطريقة منتظمة ومتوقعة. لكن في الواقع، البشر ليسوا جداول بيانات. نحن كائنات عاطفية، طموحة، ومدركة للمكانة. في عالم تتوقف فيه الأجور عن الارتفاع، وتزداد الإيجارات، ويبدو التقاعد حلمًا بعيدًا، يصبح شراء أحمر شفاه فاخر — أو دمية لابوبو — وسيلة لاستعادة بعض السيطرة. إنها لفتة صغيرة تمنح المتعة والتحكم في بيئة تفتقر لكليهما.

كما يعكس هذا التأثير كيف أصبحت الاستهلاكية متشابكة مع الهوية وتقدير الذات. في كتابه Luxury Fever، يناقش الاقتصادي روبرت فرانك كيف أن قرارات الشراء لم تعد تُحدد بناءً على الفائدة، بل بناءً على “السلع الموضعية” — أي تلك التي تستمد قيمتها من قدرتها على الإشارة إلى المكانة، والذوق، أو القدرة على التحمّل. أحمر الشفاه، رغم كونه أرخص بكثير من حقيبة Birkin أو سوار Cartier، يمكنه أن يعكس الرقي، الثبات، والقدرة على الصمود. وبالمثل، فإن دمية لابوبو — بغرابتها، وندرتها، وخلفيتها الثقافية العصرية — تسمح للمشتري بالتعبير عن ذوق منتقى وانتماء اجتماعي دون أن يتخطى حدود التبذير غير المسؤول. وفي هذا السياق، لا يُعد نجاح لابوبو استثناءً، بل نتيجة منطقية لنفسية المستهلك التي صقلتها سنوات من الهشاشة الاقتصادية.

لكن لابوبو ليس المؤشر الوحيد على الركود. الثقافة مليئة بإشارات خفية تدل على الأزمات الاقتصادية. فقط علينا أن نعرف أين ننظر.

خذ الموضة كمثال. ستلاحظ شيئًا غريبًا: أزياء العمل أصبحت جزءًا من اللباس اليومي. قطع كانت مخصصة في السابق للمهن النظامية — مثل سترات Carhartt، وأحذية السلامة — أصبحت الآن عناصر أساسية في عروض الأزياء وصيحات الشارع. هذا ليس مجرد اتجاه جمالي، بل حقيقة اقتصادية: عندما لا يستطيع الناس شراء ملابس منفصلة للمكتب، والنادي الرياضي، وعطلة نهاية الأسبوع، يلجؤون إلى قطع هجينة متعددة الاستخدام.

وهناك أيضًا “مؤشر طول التنورة”، وهي نظرية غريبة تعود إلى عشرينيات القرن الماضي وشاعها الاقتصادي جورج تايلور، وتفترض أن طول التنورة يرتبط بحالة الاقتصاد: في فترات الازدهار تقصر التنانير، وفي الأزمات تطول. ورغم أنها ليست مقياسًا دقيقًا، فإن عودة التنانير الطويلة، والقصّات المحتشمة، والتفصيلات الفضفاضة في مواسم الموضة الأخيرة تعكس هذا التحوّل.

حتى الطعام — أكثر الضروريات الأساسية — أصبح وسيلة للتعبير عن الذوق والمكانة. نحن نعيش في زمن أصبحت فيه البقالة جزءًا من حملات الأزياء الراقية. فقد نظّمت أمينة معادي جلسة تصوير تظهر فيها نارا سميث وهي تمارس تمارين رفع الأرجل بحقيبة خضروات. وظهرت زيندايا وهي تتلاعب بكيس ملاكمة مملوء بعلب حبوب الإفطار في حملة لماركة ON. وفي المجلات الراقية، باتت صور الطماطم المعلبة أو البرتقال المرتّب بعناية تُرافق ملابس فاخرة. لماذا؟ لأن الطعام، في زمن أزمة غلاء المعيشة، لم يعد مجرد ضرورة يومية — بل أصبح رمزًا للرفاهية.

كل ما سبق يشير إلى حقيقة أساسية واحدة: الناس يتأقلمون مع الندرة من خلال تجميلها. عندما يعجزون عن الوصول إلى الوفرة، يلجؤون إلى أشياء صغيرة تحمل معنى، كثيفة رمزيًا، ومشحونة عاطفيًا. وهنا يدخل لابوبو الصورة — ليس كلعبة، بل كتعويذة.

من منظور الاقتصاد السلوكي، هذا السلوك منطقي تمامًا. كما يوضح دان أرييلي في كتابه Predictably Irrational، فإن المستهلكين تحت الضغط المالي لا يتوقفون عن الشراء، بل تصبح قراراتهم أكثر عاطفية. يبحثون عن الراحة، الروتين، والمفاجأة. وصناديق لابوبو المغلقة (blind boxes) تلبي كل هذه الرغبات. تمنح دفعة من الدوبامين، وإحساسًا بالمكافأة الشخصية، وشعورًا عابرًا بالتحكم. وحقيقة أنك لا تعرف أي لابوبو ستحصل عليه؟ هذا هو بيت القصيد. إنها تحاكي الشعور بالتحكم في عالم يقل فيه هذا الشعور يومًا بعد يوم.

وهنا تكمن عبقرية نموذج Pop Mart التجارية — عبقرية قاتمة في الحقيقة. فالشركة لا تبيع ألعابًا فقط، بل تبيع وهم الهروب الاقتصادي على نطاق واسع. ولهذا السبب، أصبح وانغ نينغ، المدير التنفيذي للشركة، مليارديرًا بين عشية وضحاها. وإذا بدا لك هذا كأنه من عالم ديستوبي، فأنت لست مخطئًا. نظام يُصنع فيه المليارديرات من قلق الناس الجماعي هو نظام استغلالي بامتياز. فكرة أن ملايين المستهلكين المتوترين ماليًا يدعمون عروض الأسهم الفاخرة وآلات الترويج المدعومة من رأس المال المغامر، عبر تماثيل تُباع في صناديق عمياء، هو فشل بنيوي.

وبالطبع، هذا كله ليس جديدًا. السلوك الاقتصادي الذي نراه مع لابوبو — طلب غير عقلاني على منتجات تافهة ظاهريًا، مدفوع بشعور بندرة مصطنعة وحاجة عاطفية ملحة — هو جزء من سلسلة طويلة من “فقاعات المضاربة” (حين يرتفع سعر سلعة ما بشكل يتجاوز قيمتها الفعلية بسبب اعتقاد الناس أنها ستستمر بالارتفاع). واحدة من أقدم وأشهر هذه الفقاعات حدثت في الجمهورية الهولندية في ثلاثينيات القرن السابع عشر، خلال ما يُعرف الآن بـ”جنون التوليب”. في ذروة الجنون، كانت تُباع بصيلات زهور نادرة مثل Semper Augustus بأسعار تفوق ثمن منزل متوسط. وتشير بعض الروايات إلى أن البصيلات كانت تُباع وتُشترى عدة مرات في اليوم الواحد عبر عقود ورقية دون تسليم فعلي — تداول آجل قبل قرون من ظهور وول ستريت.

المثير أن زهور التوليب الأكثر طلبًا لم تكن ذات فائدة، بل كانت نادرة وغير متوقعة الشكل بسبب إصابتها بفيروس فسيفسائي جعل بتلاتها فريدة. كما أوضح تشارلز كيندلبيرغر في كتابه Manias, Panics, and Crashes، فإن الفقاعات تتشكل عندما تتجاوز “القصص المعقولة” السلوك العقلاني. ما يهم ليس ما هو حقيقي، بل ما هو قابل للتصديق. القصة الجيدة قد تكون أكثر قيمة من الأساس المتين.

وقد تكررت هذه الظاهرة مرارًا في التاريخ. في التسعينيات، ظهرت “بينيبابيز” — دمى محشوة كانت تُنتج بأعداد محدودة، وجُمعت بجنون، وغالبًا ما احتُفظ بها في حالة ممتازة على أمل أن تزداد قيمتها. ثم جاءت بطاقات البوكيمون، التي تراوحت بين عملة تداول في المدارس وكنوز مزادات. ومؤخرًا، شهدنا صعودًا مذهلًا وانهيارًا فوضويًا للـNFTs — أصول رقمية وُعدت بمكانة وثروة وخصوصية، لكنها غالبًا ما كانت مجرد صور رقمية متقلبة مدعومة بالضجة والأمل.

كل هذه الدورات تتبع معادلة مألوفة: الندرة + القصة + المكانة = جنون استهلاكي. ولابوبو ينسجم تمامًا مع هذه المعادلة. تم هندسة ندرة لابوبو ورغبة الناس به عبر إصدارات محدودة وآلية الصندوق المغلق. بعض الإصدارات — مثل لابوبو السري (secret Labubu)، بلونه النادر واحتمال ظهوره البالغ 1 من أصل 72 — يُعاد بيعه بأكثر من 500 دولار في السوق الثانوية، رغم أن سعره الأصلي أقل من 15 دولارًا. قد يبدو لابوبو كدمية، لكنه يتصرف وكأنه أصل مالي.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by Mad Kicks ME (@madkicksme)

ما يُميز لابوبو عن سابقيه ليس شكله، بل توقيت وسبب انتشاره. جنون التوليب ازدهر خلال العصر الذهبي الهولندي، ودمى Beanie Babies انفجرت شعبيتها في فترة التفاؤل أواخر التسعينات، وNFTs صعدت في فقاعة السيولة خلال جائحة كورونا. أما لابوبو، فهو محبوب الأوقات العصيبة؛ كائن فاخر صغير الحجم لجيل بات مستبعَدًا من الرفاهيات الحقيقية.

كما يلاحظ الفيلسوف بيونغ-تشول هان في كتابه مجتمع الإرهاق، فإن الإنسان المعاصر لم يعد خاضعًا لقوى خارجية، بل مهووس بأداء متواصل، وتحسين ذاتي، واستهلاك دائم، بدافع شخصي. في هذا الإطار، شراء لابوبو لا يُعد دلعًا طفوليًا، بل آلية تأقلم كاملة. فعل صغير للتهدئة الذاتية داخل نظام يُصمم لاستخلاص الطاقة والرغبة من الإنسان. وكما أشار مارك فيشر في كتابه الواقعية الرأسمالية، فإن قسوة الرأسمالية المتأخرة تكمن في أنها لا تستغل العمل فقط، بل تستعمر الرغبة أيضًا.

لذا، عندما ترى لابوبو يبتسم من حقيبة يد، أو يظهر في فيديو تيك توك، تذكّر: أنت لا تنظر إلى لعبة، بل إلى أثر من آثار الركود، رمز لهشاشة اقتصادية، ودفعة دوبامين رقمية، وتجسيد لتهجير المستهلك عن رفاهيته. شعبيته ليست صدفة، بل نتيجة خوارزمية دقيقة. وهو يعكس جيلًا يحاول التعايش مع الندرة بكرامة، ومرح، ورفاهيات صغيرة لا تفرغ المحفظة.

لكن لا بد أن نطرح سؤالًا ضروريًا: من المستفيد من كل هذا؟ من يربح حين يستبدل الناس الأمان المالي بهرمونات السعادة؟ حين تتحول المشتريات اليومية إلى دعائم مسرحية، والألعاب إلى علاج نفسي، فنحن ندور في دورة ليست استهلاكًا، بل تكيّفًا نفسيًا مع القهر.

لا، لابوبو لم يتسبب في هذه الدورة. لكنه يمثلها بأفضل شكل ممكن. إنه روح الركود في شكل دمية صغيرة: مخاطرة منخفضة، مشاعر عالية، وظرافة مخيفة بعض الشيء. ولهذا السبب بالتحديد… يُباع.

اقرأ أيضا 

Clipse يستعينان بأسطورة الغناء السعودي طلال مداح في أغنيتهما الجديدة “So Be It”

كيف أصبحت هدى مصطفى من Love Island USA أكثر شخصية فلسطينية تُتداول في برامج الواقع التلفزيونية؟

شارك(ي) هذا المقال