تحوّلت الأرجنتين في كأس العالم هذه إلى الخصم الذي يبدو أن الجميع اتفق على كراهيته. ففي كل مباراة، يتكرر المشهد نفسه: جماهير من مختلف أنحاء العالم تتوحد فجأة خلف أي منتخب يواجهها. إنجلترا أو إسبانيا أو غيرهما، لم تعد هوية المنافس مهمة بقدر الرغبة في رؤية الأرجنتين تخسر.
المفارقة أن كثيرًا من جماهير الجنوب العالمي، التي تنتقد طوال العام الاستعمار وإرثه، وجدت نفسها تشجع قوى استعمارية سابقة لمجرد أن الطرف الآخر هو الأرجنتين. وقد يبدو اجتماع العرب والأفارقة والآسيويين وأبناء أميركا اللاتينية على تشجيع إنجلترا، ثم إسبانيا، مشهدًا عبثيًا، لكنه يصبح أقل غرابة عندما نتذكر أن الأرجنتين أمضت جزءًا كبيرًا من تاريخها في محاولة تقديم نفسها باعتبارها مختلفة عن بقية أميركا الجنوبية.
فقد تأسست هويتها الوطنية على أسطورة تقول إن البلاد أكثر أوروبية وأكثر «بياضًا» من جيرانها. ولم تُبنَ هذه الصورة من دون ثمن، بل جاءت على حساب الأرجنتينيين من أصول أفريقية والسكان الأصليين، الذين جرى تقليص حضورهم عمدًا أو محوه من السردية الوطنية.
لم يكن اختفاؤهم من الذاكرة العامة نتيجة طبيعية للهجرة، بل جزءًا من عملية سياسية واجتماعية أطلقت عليها الحكومات الأرجنتينية اسم blanqueamiento، أي «التبييض».
خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شجعت الحكومات المتعاقبة الهجرة الأوروبية الواسعة، وقدمت أوروبا باعتبارها النموذج الذي ينبغي للبلاد أن تسير على خطاه. وصاغ مفكرون مثل دومينغو فاوستينو سارمينتو تطور الأرجنتين بوصفه صراعًا بين «الحضارة» و«الهمجية»، حيث مثّلت الثقافة الأوروبية الحداثة، بينما عوملت مجتمعات السكان الأصليين كعقبة في طريق التقدم.
ومع الوقت، نجحت الأرجنتين في ترسيخ صورة لنفسها باعتبارها «أوروبا أميركا الجنوبية»، فيما وُصفت بوينس آيرس مرارًا بأنها باريس القارة. وأصبحت فكرة اختلافها الجوهري عن بقية أميركا اللاتينية واحدة من أكثر الأساطير الوطنية رسوخًا، ولا تزال تؤثر حتى اليوم في الطريقة التي ينظر بها إليها كثير من جيرانها.
ظهر هذا التصور بوضوح عام 2021، عندما أثار الرئيس الأرجنتيني آنذاك ألبرتو فرنانديز غضبًا واسعًا بقوله إن «المكسيكيين ينحدرون من السكان الأصليين، والبرازيليين جاؤوا من الأدغال، أما الأرجنتينيون فجاؤوا على متن السفن من أوروبا».
زعم فرنانديز أنه يقتبس من الكاتب المكسيكي أوكتافيو باث، لكن العبارة كانت في الحقيقة مأخوذة من أغنية روك أرجنتينية تعود إلى عام 1982. وبغض النظر عن مصدرها، فقد كشفت عن تراتبية عرقية وثقافية يعرفها كثير من أبناء أميركا اللاتينية منذ أجيال.
لهذا أصبحت سمعة الأرجنتين المرتبطة بالغرور والشعور بالاستثنائية مادة متكررة للسخرية في القارة. وخلال كأس العالم، تداول المشجعون عبارة «América Latina menos Argentina»، أي «أميركا اللاتينية من دون الأرجنتين»، في إشارة إلى أن النفور من المنتخب لم يعد محصورًا في منافساته التقليدية مع البرازيل وأوروغواي وتشيلي.
بطبيعة الحال، لطالما أثارت المنتخبات الناجحة مشاعر العداء، خصوصًا عندما تهيمن على البطولات أو تصل إليها محاطة بتوقعات ضخمة. تنقلت البرازيل على مدى عقود بين صورة المنتخب الممتع المحبوب وصورة المرشح المتعجرف الذي لا يُطاق. أما إنجلترا، فكثيرًا ما تواجه صيحات الاستهجان حتى قبل أن تمنح الجمهور سببًا جديدًا لذلك.
كما مرت فرنسا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا بمراحل أصبحت فيها المنتخبات التي ينتظر المشجعون المحايدون إقصاءها. وحتى المغرب وجد نفسه في هذه البطولة هدفًا لمن يشاهدون مبارياته فقط على أمل خسارته.
لكن حالة الأرجنتين مختلفة، لأن العداء تجاهها يأتي من اتجاهات عدة في الوقت نفسه. ينفر البعض من تاريخ البلاد العرقي وإحساسها بالتفوق على محيطها، بينما يعترض آخرون على سلوك لاعبي المنتخب داخل الملعب.
فقد بنى الحارس إيميليانو مارتينيز جزءًا كبيرًا من صورته العامة على استفزاز المنافسين والسخرية من جماهيرهم. وأصبح رودريغو دي بول بدوره شخصية مثيرة للانقسام بسبب المناوشات والتحايل وتعطيل اللعب كلما احتاجت الأرجنتين إلى استعادة السيطرة على المباراة.
وربما يعترف كثير من مشجعيها بأن هذا المنتخب لا يمانع أن يكون مكروهًا، بل يبدو أحيانًا أنه يستمد قوته من العداء المحيط به.
على الجانب الآخر، لا ينشغل بعض المشاهدين بسلوك اللاعبين بقدر انشغالهم بالمؤسسات التي تدير اللعبة. فقد رافقت الأرجنتين طوال البطولة شكوك بأن الفيفا والقنوات الناقلة والرعاة والحكام يريدون بقاء ليونيل ميسي في المنافسة.
ومن هنا ظهر لقب «VARgentina»، في إشارة إلى تقنية حكم الفيديو المساعد، فيما أصبح كل قرار مثير للجدل يُستقبل باعتباره دليلًا جديدًا على أن النهاية كُتبت مسبقًا.
بلغت هذه الشكوك ذروتها بعد فوز الأرجنتين الدراماتيكي على مصر. كانت الأرجنتين متأخرة بهدفين دون مقابل في أتلانتا، قبل أن يعيد حكم الفيديو اللعب إلى لقطة وقعت قبل نحو عشر ثوانٍ وعلى مسافة تقارب ثلاثة أرباع الملعب، ليلغي هدف مصطفى زيكو بداعي وجود مخالفة سبقت الهجمة.
بعد دقائق، أدرك ليونيل ميسي التعادل، ثم أكملت الأرجنتين عودتها وأقصت مصر من البطولة.
وصف مدرب المنتخب المصري حسام حسن القرار بأنه ظلم، وتساءل علنًا عما إذا كان الفيفا يريد إبقاء ميسي في المنافسة. كما تقدم الاتحاد المصري لكرة القدم باحتجاج رسمي، بينما رأى عدد من حكام كأس العالم السابقين أن التدخل وسّع استخدام تقنية الفيديو إلى ما يتجاوز الغرض الذي أُنشئت من أجله.
لكن بمجرد انتهاء المباراة، لم يعد السؤال الأهم هو ما إذا كانت جميع الاعتراضات صحيحة من الناحية الفنية. فجماهير كرة القدم نادرًا ما تفصل القرارات المثيرة للجدل عن السياق الأوسع، خصوصًا عندما تكون تصوراتها عن القوة والنفوذ داخل اللعبة قد تشكلت عبر سنوات من الإحباط.
كل قرار محل خلاف يأتي محملًا بشكوك قديمة بشأن المنتخبات التي تحظى بالصبر والحماية وفائدة الشك، وتلك التي يُطلب منها أن تتقبل إقصاءها بصمت.
وزادت السياسة المحيطة بالأرجنتين من اشتعال الجدل. فقد أصبح الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي واحدًا من أكثر الداعمين الدوليين صراحة لإسرائيل، وكرر الإشادة بالحكومة الإسرائيلية، كما تعهد بنقل سفارة بلاده إلى القدس.
وخلال البطولة، انتشر مقطع يظهر وزيرًا إسرائيليًا يطلب من ميلي أن «يعيد كأس العالم الرابعة إلى الأرجنتين»، بينما كان بنيامين نتنياهو يومئ برأسه إلى جواره.
لا توجد أدلة تثبت أن هذه العلاقات السياسية أثرت في التحكيم، كما نفى الفيفا وجود أي انحياز متعمد. لكن كرة القدم لم توجد يومًا خارج السياسة، خصوصًا بالنسبة إلى مشجعين ينتمون إلى بلدان تظل فيها الحرب على غزة مسألة شخصية وحاضرة بقوة.
لذلك، عندما أُقصي منتخب يدربه شخص عبّر مرارًا عن دعمه لفلسطين بعد قرار تحكيمي مثير للجدل، بينما تأهل منتخب تلقى دعمًا علنيًا من نتنياهو، لم يكن مستغربًا أن يربط كثير من المشاهدين بين المشهدين.
قد لا تكون هذه الاستنتاجات قابلة للإثبات، لكنها تكشف حجم التراجع في ثقة الجماهير بمؤسسات كرة القدم.
فالمشجعون شاهدوا الفيفا ينظم البطولات بالتعاون مع حكومات سلطوية، ويوسع المسابقات حتى تفقد شكلها الأصلي، ويكرر أن السياسة لا مكان لها في كرة القدم، ثم يحتفي بالقادة السياسيين كلما كانت العلاقة معهم مفيدة تجاريًا.
وفي هذا السياق، يبدو طلب الفصل بين الرياضة والسياسة أقل شبهًا بالحياد، وأكثر قربًا من النسيان الانتقائي.
ومع ذلك، قد يكون التحول الأهم متعلقًا بليونيل ميسي نفسه. فطوال معظم مسيرته، احتل ميسي موقعًا نادرًا باعتباره نجمًا عالميًا محبوبًا، ظل إلى حد كبير بمنأى عن العداء الذي يلاحق عادة اللاعبين الأكثر هيمنة.
كان يُنظر إليه بوصفه هادئًا ومتواضعًا وغير مهتم بحياة المشاهير، ما سمح للجماهير بالإعجاب به حتى وهي تشاهده يهزم منتخباتها.
لا يزال كثير من هذا الحب قائمًا، وربما يجد معظم الذين يشجعون ضد الأرجنتين صعوبة في القول إنهم يكرهون ميسي فعلًا. ما يرفضونه بصورة متزايدة هو الأسطورة التي أُحيطت به، والإحساس بأن كرة القدم بأكملها أصبحت معنية بمنحه حكاية خرافية أخيرة قبل الاعتزال.
بالنسبة إلى جماهير البلدان التي نادرًا ما تحظى بالاهتمام نفسه، يصبح هذا التأطير مرهقًا. فلم يكن لاعبو مصر يخوضون مباراة من أجل بلوغ ربع نهائي كأس العالم فحسب، بل جرى تقديمهم أيضًا بوصفهم العقبة الدرامية التالية في طريق ميسي إلى الخلود.
ويزداد الإحباط كلما استفادت الأرجنتين من قرار تحكيمي محل خلاف. فالمشجعون الذين يعتقدون أصلًا أن كرة القدم تحمي أكبر نجومها لا يرون خطأً منفصلًا، بل يرون تأكيدًا جديدًا على أن قصة ميسي أهم من قصص الجميع.
وكلما ازداد الإصرار على تقديم نجاح الأرجنتين باعتباره الفصل الأخير الجميل في مسيرة أسطورية، ازداد إصرار الآخرين على إفساد هذه النهاية.
في النهاية، تقف الأرجنتين عند تقاطع التاريخ والعرق والسياسة وكرة القدم وثقافة الإنترنت، حيث تغذي كل قضية الجدل الذي يليها.
لكل مشجع سببه الخاص في تمني خسارتها، لكن الجميع يصلون بطريقة ما إلى النتيجة نفسها، سواء كانوا من مشجعي إنجلترا، أو من العرب والأفارقة، أو من أبناء أميركا اللاتينية، أو من البرازيليين.
قد يختلفون في كل شيء آخر، لكنهم يتفقون طوال تسعين دقيقة على شعار واحد: أي منتخب، إلا الأرجنتين.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.