لم تكن الجغرافيا يومًا المادة المفضلة لدي. ففي المدرسة، كنت غالبًا أقضي حصة الخرائط والحدود في التفكير بأي شيء آخر غير الدرس نفسه، لذلك بقيت أسماء المدن وتاريخها بالنسبة لي مساحة ضبابية إلى حد بعيد.
لكن مؤخرًا، صادفت معلومة دفعتني لإعادة النظر في كل ذلك: هناك ثماني مدن ومناطق داخل الولايات المتحدة تحمل اسم «تونس». نعم، اسم العاصمة التونسية نفسها.
ومن هنا بدأ السؤال: كيف وصل اسم تونس إلى الخريطة الأمريكية بهذا الشكل المتكرر؟
ففي ولايات مثل تكساس، وفرجينيا، وكارولاينا الشمالية، وميشيغان، ومونتانا، وميريلاند، وأركنساس، ونيو مكسيكو، تظهر مناطق أو بلدات تحمل الاسم ذاته، ما يجعل الأمر يبدو أكثر من مجرد مصادفة عابرة.
كيف وصلت أسماء المدن العربية إلى الولايات المتحدة؟
التفسير الأكثر تداولًا يرتبط بتاريخ تأسيس الولايات المتحدة نفسها. فبما أن البلاد حديثة نسبيًا مقارنة بحضارات ومدن العالم القديم، اعتاد المستوطنون الأوائل إطلاق أسماء معروفة مسبقًا على البلدات الجديدة التي يؤسسونها.
ولهذا، لا تبدو «تونس» استثناءً تمامًا. فهناك أيضًا مدن أمريكية تحمل أسماء مثل القاهرة، ودمشق، وقرطاج، وطنجة، وغيرها من المدن المرتبطة بالتاريخ القديم أو التجارة أو المرجعيات الثقافية والدينية التي كانت مألوفة آنذاك.
وبصراحة، بدا هذا التفسير مقنعًا إلى حد كبير، خصوصًا بعدما اكتشفت عدد المدن الأجنبية المنتشرة فعلًا على الخريطة الأمريكية. لكن أثناء البحث، ظهرت رواية أخرى أكثر غرابة… وأكثر تسلية أيضًا.
هل كانت الأغنام التونسية السبب؟
بحسب صانع المحتوى التونسي ڨوادا حريصة، قد يكون انتشار اسم «تونس» في الولايات المتحدة مرتبطًا بسلالة أغنام تونسية.
وتعود القصة إلى عام 1799، حين أرسل باي تونس حمودة باشا عشر أغنام إلى الولايات المتحدة كهدية للرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن، ضمن اتفاقية سلام هدفت إلى توطيد العلاقات بين تونس والدولة الأمريكية الناشئة آنذاك.
لكن الرحلة البحرية الطويلة لم تكن سهلة، إذ يُقال إن ثمانية من الأغنام نفقت أثناء السفر، بينما نجا ذكر وأنثى فقط. ومع وصولهما، بدأت السلالة بالتكاثر، ليُعجب الأمريكيون بجودة لحمها ويطلقوا عليها اسم American Tunis Sheep أو “الأغنام التونسية الأمريكية”.
ومع مرور الوقت، اختُصر الاسم تدريجيًا إلى «تونس»، وفقًا للرواية المتداولة.
هل القصة حقيقية فعلًا؟
المفاجأة أن بعض أجزاء القصة تبدو صحيحة بالفعل.
فبحسب معلومات منشورة على مواقع رسمية لبعض الولايات الأمريكية، انتشرت سلالة الأغنام التونسية لاحقًا في مناطق مثل ميريلاند، وفرجينيا، وكارولاينا الشمالية والجنوبية، وجورجيا، وهي مناطق تضم بالفعل بلدات أو مناطق تحمل اسم «تونس».
لكن رغم ذلك، لا توجد أدلة حاسمة تؤكد أن هذه المدن سُمّيت مباشرة نسبة إلى الأغنام أو إلى العاصمة التونسية نفسها. لذلك تبقى القصة في المنطقة الرمادية بين الحقيقة والأسطورة الشعبية.
وربما هذا تحديدًا ما يجعلها ممتعة. فحتى لو لم تكن الرواية مؤكدة بالكامل، تبقى فكرة أن هدية أرسلها حمودة باشا إلى جورج واشنطن قبل أكثر من قرنين قد تكون وراء ظهور اسم «تونس» على الخريطة الأمريكية، واحدة من تلك الحكايات التي تبدو أجمل قليلًا من التفسير التاريخي الرسمي.