لا يُعرف الرجال العرب عادةً بكونهم الأكثر تعبيرًا عن مشاعرهم. إلا حين يتعلق الأمر بمباراة كرة قدم مصيرية. عندها فقط، يقف الأب الذي نادرًا ما يتحدث عن مشاعره صارخًا أمام الشاشة، بينما يجد الأخ الذي لم تدمع عيناه في جنازة أو بعد انفصال عاطفي أو حتى إثر خسارة وظيفة، نفسه يمسح دموعه بعد فوز دراماتيكي أو هزيمة موجعة. وفي تلك الدقائق القليلة، تندفع إلى السطح مشاعر ظلت مدفونة طويلًا تحت طبقات من الصمت والانضباط، وتظهر للعلن بلا تردد أو محاولة للإخفاء.
في مختلف أنحاء المنطقة العربية، ظلت كرة القدم واحدة من المساحات النادرة التي يستطيع الرجال من خلالها التعبير عن مشاعرهم علنًا. فهي من المجالات القليلة التي لا تُفسَّر فيها الدموع بوصفها ضعفًا، ولا يُنظر فيها إلى الهشاشة العاطفية باعتبارها تهديدًا للرجولة، بل يُسمح فيها بإظهار الانفعال دون أن يتعرض صاحبه للتشكيك أو السخرية. والسؤال هنا: لماذا؟
قد تبدو الإجابة الأولى بسيطة؛ فالكرة تعني الكثير للناس. لكن هذا التفسير وحده لا يكفي. فالرجال يهتمون بأشياء كثيرة أخرى في حياتهم. يحبون عائلاتهم، ويختبرون الخسارات العاطفية، ويعيشون الحزن والوحدة والخوف وخيبات الأمل. ومع ذلك، يواجه كثير منهم صعوبة في التعبير عن تلك المشاعر بالقوة نفسها التي يظهرونها وهم يشاهدون أحد عشر لاعبًا يطاردون كرة فوق المستطيل الأخضر.
ولست وحدي من يتساءل عن هذه الظاهرة. فقد أصبحت خلال العقدين الأخيرين موضوعًا متكررًا في أبحاث علم النفس وعلم الاجتماع. وتشير دراسة نُشرت في مجلة Frontiers in Psychology إلى أن المجتمع يتعامل مع التعبير العاطفي لدى الرجال بشكل مختلف تبعًا للسياق الذي يحدث فيه. فالدموع التي تُذرف بعد حدث رياضي غالبًا ما تُقرأ باعتبارها دليلًا على الشغف والانتماء والالتزام، لا بوصفها علامة على الهشاشة أو الضعف. وبعبارة أخرى، توفر كرة القدم ما يسميه بعض الباحثين “حاجز حماية للرجولة”، حيث يصبح التعبير عن المشاعر مقبولًا لأنه يحدث داخل نشاط يُصنف أصلًا على أنه نشاط ذكوري.
براهيم دياز يذرف الدموع بعد إهداره ركلة جزاء حاسمة نفذها على طريقة “بانينكا” خلال كأس الأمم الإفريقية 2025.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في المجتمعات العربية التي لا تزال التصورات التقليدية للرجولة حاضرة بقوة فيها. صحيح أن معايير الرجولة تختلف من المغرب إلى مصر، ومن السعودية إلى الجزائر ولبنان، لكن هناك مجموعة من التوقعات المشتركة التي تتكرر في معظم هذه المجتمعات. فالرجل مطالب بأن يكون قادرًا على الإعالة، وأن يتحمل الصعاب، وأن يحافظ على رباطة جأشه تحت الضغط. وغالبًا ما يُنظر إلى ضبط المشاعر وكتم الانفعالات باعتبارهما دليلًا على القوة والنضج.
وتساعدنا نظرية عالمة الاجتماع رايوين كونيل حول “الرجولة المهيمنة” على فهم هذه الديناميكية. فبحسب كونيل، تنتج المجتمعات نماذج مهيمنة للرجولة تمنح الشرعية لبعض السلوكيات وتُقصي سلوكيات أخرى. وغالبًا ما تقع الهشاشة العاطفية خارج دائرة السلوك المقبول. ومنذ سن مبكرة، يتعلم الرجال أي المشاعر يمكن التعبير عنها بأمان وأيها قد يجر عليهم أحكامًا اجتماعية قاسية. وهنا تحديدًا تظهر كرة القدم بوصفها استثناءً مثيرًا للاهتمام.
فعندما يبكي مشجع بعد تأهل منتخب بلاده إلى كأس العالم، تُفسَّر دموعه على أنها دليل على الوفاء والانتماء. أما إذا بكى الرجل بسبب شعوره بالوحدة أو بسبب أزمة شخصية، فقد يُنظر إلى دموعه باعتبارها عجزًا عن السيطرة على النفس أو ضعفًا في الشخصية. المشاعر نفسها لم تتغير، لكن المعنى الاجتماعي الذي يُمنح لها تغير بالكامل.
ولعل أوضح مثال على ذلك كان خلال كأس العالم 2022 في قطر. فقد شاهد الملايين الجماهير المغربية وهي تبكي بعد المسيرة التاريخية لمنتخبها ووصوله إلى نصف النهائي. عانق الآباء أبناءهم، وبكى رجال بالغون في الملاعب والساحات العامة. وتكررت مشاهد مشابهة في أنحاء مختلفة من العالم العربي. لم تُقابل هذه الدموع بالسخرية أو الاستهجان، بل بالاحتفاء والإعجاب. خصصت الصحف مساحات للحديث عن الشغف الذي أظهره المشجعون، بينما تداول مستخدمو مواقع التواصل تلك اللحظات بفخر واعتزاز.
ومن الصعب تخيل أن الرجال أنفسهم كانوا سيحصلون على التشجيع ذاته لو أنهم بكوا أثناء الحديث عن الاكتئاب أو الإرهاق النفسي أو أزمات العلاقات أو الضغوط الاقتصادية.
والمفارقة ذاتها تظهر داخل الملعب أيضًا. فنجوم كرة القدم المحترفون يعبّرون باستمرار عن مشاعر يصعب تخيل إظهارها في كثير من المهن الأخرى التي تُصنف تقليديًا على أنها “ذكورية”. وبعض أكثر الصور رسوخًا في ذاكرة كرة القدم ليست للأهداف أو الكؤوس، بل للدموع. دموع لاعب أهدر ركلة جزاء حاسمة، أو تعرض لإصابة كادت تنهي مسيرته، أو استمع إلى النشيد الوطني قبل مباراة مصيرية، أو أخيرًا حقق لقبًا انتظره سنوات طويلة.
يكفي أن نتذكر محمد صلاح وهو ينهار على أرض الملعب بعد خسارة مصر نهائي كأس الأمم الإفريقية عام 2017، أو كريستيانو رونالدو وهو يبكي علنًا بعد التتويج ببطولة أمم أوروبا عام 2016. لم تُضعف هذه اللحظات صورتهما العامة، بل على العكس، اعتُبرت دليلًا على الالتزام والتضحية والصدق العاطفي.
كريستيانو رونالدو بعد خسارة منتخب بلاده نهائي بطولة كأس الأمم الأوروبية (يورو 2004).
ويكشف التفاعل مع هذه المشاهد شيئًا مهمًا حول كيفية عمل مفاهيم الرجولة في المجتمع. فلاعبو كرة القدم يُسمح لهم بالبكاء لأنهم أثبتوا مسبقًا أهليتهم وفق المعايير التقليدية للرجولة. فهم ينافسون على أعلى المستويات، ويتحملون الألم الجسدي، ويجسدون كثيرًا من الصفات المرتبطة تقليديًا بالقوة الذكورية. وفي هذا السياق، تصبح الهشاشة العاطفية مقبولة بل ومحل تقدير أحيانًا.
وقد ذهب عالم الاجتماع مايكل ميسنر إلى أن الرياضة تمثل واحدة من أهم الساحات التي تُبنى فيها تصورات الرجولة وتُعاد إنتاجها، وهو ما يفسر لماذا يُحتفى بالتعبير العاطفي داخلها بدلًا من إدانته.
أما الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو فقد رأى أن الرجولة ليست مجرد صفة يمتلكها الرجل، بل أداء اجتماعي يجب إثباته باستمرار. فالرجولة، بحسب بورديو، تُنتج من خلال التفاعل الاجتماعي وتتطلب تأكيدًا دائمًا. ومن هذه الزاوية، تصبح كرة القدم مساحة فريدة لأن التعبير العاطفي فيها لا يهدد صورة الرجل، بل يعززها ويمنحها شرعية إضافية.
ويعود جزء من قوة كرة القدم العاطفية أيضًا إلى علاقتها الوثيقة بالهوية. فقد درس علماء النفس الرياضي ما يُعرف بمفهوم “اندماج الهوية”، وهي الحالة التي يشعر فيها الفرد بوحدة عميقة مع الجماعة التي ينتمي إليها. ويصف الباحثان ويليام سوان وهارفي وايتهاوس هذه الحالة بأنها تداخل شديد بين الهوية الفردية والهوية الجماعية، بحيث تصبح انتصارات الجماعة انتصارات شخصية، وهزائمها هزائم شخصية أيضًا.
وهذا ما يفسر لماذا يمكن لنتيجة مباراة أن تثير مشاعر تبدو مبالغًا فيها بالنسبة لمن هم خارج دائرة الانتماء. فبالنسبة لكثير من المشجعين، المباراة ليست مجرد مباراة. إنها مرتبطة بالعائلة والانتماء والذاكرة الجماعية والفخر الوطني والإحساس بالمكان والهوية.
وفي السياق العربي، تزداد هذه الطبقات من المعنى تعقيدًا وعمقًا. فقد لعبت كرة القدم في كثير من الأحيان دورًا يتجاوز الرياضة نفسها، لتصبح أداة للتعبير السياسي والتضامن الاجتماعي وبناء الهوية الوطنية. ما زال الجزائريون يتحدثون بعاطفة عن دور المنتخب الوطني خلال سنوات النضال ضد الاستعمار. ويتذكر المصريون كيف تداخلت كرة القدم مع المزاج الثوري الذي رافق أحداث عام 2011. أما الفلسطينيون فقد استخدموا الرياضة طويلًا كوسيلة للحفاظ على الحضور والهوية في ظل الاحتلال والتهجير.
وعندما يبكي المشجعون في مثل هذه اللحظات، فهم لا يبكون بسبب ما جرى داخل الملعب فحسب، بل يستجيبون لعقود من الذكريات والمعاني المتراكمة التي يحملها هذا الحدث.
فريق جبهة التحرير الوطني الجزائرية لكرة القدم (Équipe du FLN)
وكان المفكر المصري جلال أمين قد أشار إلى أن كرة القدم تمتلك قدرة نادرة على جمع فئات اجتماعية قد لا تلتقي عادة في أي مساحة أخرى. فصاحب الأعمال والعامل البسيط يمكن أن يعيشا المشاعر نفسها من فرح وترقب وخيبة أمل وهما يشجعان الفريق ذاته. وقليل من المؤسسات قادرة على خلق هذا النوع من المساواة العاطفية.
وهذا البعد الجماعي يساعد على فهم سبب تحول كرة القدم إلى متنفس مقبول للمشاعر لدى الرجال. فالدموع هنا ليست فردية بالكامل؛ إنها مشتركة. وعبء الانكشاف العاطفي يتوزع على آلاف أو حتى ملايين الأشخاص في الوقت نفسه.
لكن هناك احتمالًا آخر يستحق التأمل أيضًا. ربما تعمل كرة القدم كلغة اجتماعية بديلة يعبّر الرجال من خلالها عن مشاعر لم يتعلموا التعبير عنها بشكل مباشر. فقد لاحظ علماء النفس الذين يدرسون التعبير العاطفي لدى الرجال أن كثيرين منهم يميلون إلى الحديث عن مشاعرهم بصورة غير مباشرة. فبدلًا من قول “أشعر بالوحدة” أو “أنا خائف”، تُسقط هذه المشاعر على أحداث أو رموز أو أنشطة خارجية.
وتُعد كرة القدم وعاءً مثاليًا لهذا النوع من الإسقاط، لأنها تحمل أصلًا شحنة عاطفية هائلة.
قد تحمل مرارة الهزيمة آثار خيبات أقدم لا علاقة لها بالمباراة نفسها. وقد يحرر الفرح الجارف بعد انتصار كبير توترات تراكمت على مدى شهور أو سنوات. تبدو الدموع وكأنها تخص كرة القدم، لكنها في الواقع قد تحمل بقايا تجارب أخرى كثيرة.
كل من قضى وقتًا في المقاهي العربية خلال البطولات الكبرى يعرف هذه الظاهرة جيدًا. رجال نادرًا ما يتحدثون عن حياتهم الشخصية يتحولون فجأة إلى أشخاص شديدي التعبير والانفعال عند مناقشة التكتيكات أو قرارات الحكام أو أداء اللاعبين. وفجأة تظهر مفردات عاطفية كاملة كانت غائبة عن أحاديثهم اليومية.
والمفارقة أن الثقافة العربية ليست فقيرة عاطفيًا أصلًا. بل على العكس تمامًا. فالشعر العربي والأدب والموسيقى والتراث الشفهي مليئة بالحب والحنين والحزن والرغبة والانكسار والضعف الإنساني. كتب الشعراء عن الألم بلا خجل، وبنى كبار المطربين مسيراتهم الفنية على التعبير المكثف عن المشاعر.
إن اللغة العاطفية موجودة بوفرة في الثقافة العربية، لكن القيود غالبًا ما تأتي من التصورات الحديثة للرجولة أكثر مما تأتي من التراث الثقافي نفسه.
وربما لهذا السبب تبدو كرة القدم بهذه القوة. فهي تمنح الرجال هدنة مؤقتة من تلك القيود. لمدة تسعين دقيقة يمكنهم أن يصرخوا ويبكوا ويحتفلوا وينهاروا ويعانقوا غرباء ويعبّروا عن مشاعر ظلت مخفية طويلًا خلف صورة القوة والتماسك التي يُطلب منهم الحفاظ عليها.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد صافرة النهاية.
إذا كانت كرة القدم واحدة من المساحات القليلة التي تسمح للرجال بالتواصل مع هشاشتهم الإنسانية، فإن شعبيتها قد تكشف شيئًا أعمق عن طبيعة الرجولة المعاصرة. فمشهد آلاف الرجال وهم يبكون في مدرجات الملاعب لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه دليلًا على قوة كرة القدم، بل باعتباره دعوة للتساؤل عن سبب غياب مساحات أخرى تسمح بالتعبير العاطفي بالقدر نفسه من الأمان.
فالدموع ليست أمرًا استثنائيًا في حد ذاتها. البشر كائنات عاطفية بغض النظر عن جنسهم. أما الأمر الاستثنائي حقًا فهو استمرار المجتمع في تضييق الظروف التي يُسمح فيها للرجال بإظهار تلك المشاعر.
كرة القدم لم تخلق هذه الأحاسيس. لقد منحتها فقط مساحة آمنة كي تظهر إلى العلن.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.