لماذا يشعر الشباب العرب بالوحدة؟

"لقد كنت محاطة بالأولاد من ذوي البشرة البيضاء الذين وضعوا لي معاييراً محددة كي أستحق الوجود بينهم"

by

هل سبق لكم أن وجدتم أنفسكم جالسين في غرفكم، تتصفحون قصص الإنستاغرام وتشاهدون كل شخص يعيش حياته بطريقةٍ مثالية؟ الحقيقة أنكم لستم وحدكم من يعاني من الشعور بالوحدة. ففي الواقع، الوحدة هي مصدر القلق الأكبر لدى جيل الألفية أكثر من أي جيل آخر.

بالنسبة للكثيرين منا، أصبح مجرد العيش بمثابة تحدٍ مستمر. فعلى الرغم من إتهام هذا الجيل بأنه كسول وأناني؛ الحقيقة هي أنه هناك منافسة كبيرة بين أبناء جيل الألفية للحصول على وظائف، مقارنةً بالأجيال السابقة.

وبمجرد أن نكون محظوظين بما فيه الكفاية للحصول على عمل، فإن الحياة خارج العمل غالباً ما تكون شبه معدومة. وعلاوة على ذلك، فإن دفع الإيجار هو صراع بحد ذاته والعلاقات الحميمة تصبح أقل فأقل.

الوحدة هي وباء عالمي. وإذا أضفنا تصاعد الهجمات الموجهة ضد المسلمين، فإن آثارها تصبح أقسى علينا كعرب من أي مجتمعٍ آخر. فوفقاً لصحيفة غارديان، لقد ارتفع عدد جرائم الكراهية ضد المسلمين بنسبة 593٪ في المملكة المتحدة بعد الهجوم على مساجد نيوزيلندا.

ناهيكم عن أنه من المحظور التحدث عن الصحة العقلية أو القضايا الحميمية علانية داخل مجتمعاتنا. كما أن الكثيرين منا مضطرين أيضاً إلى الحفاظ على المظاهر حتى في المنزل الذي من المفترض أنه مساحة مخصصة للراحة الشخصية. وهكذا، فإن وجود مشكلة في العثور على الدعم الكافي بشكلٍ خاص يمكن أن يؤدي إلى مشاعر أكثر حدة من العزلة والتوتر.

وسواء كان ذلك في المنزل أو في المجتمع أو في العلاقة، من الممكن أن تتسلل الوحدة إلى قلوبنا بطرق مختلفة. وللحديث عن ذلك التقينا بخمسةٍ من الشباب العرب لنكتشف كيف أثرت الوحدة في حياتهم وكيف تعاملوا معها.

مها، 24 عاماً، تونسية
لقد كانت الوحدة رفيقتي على مر السنين. فعلى الرغم من أنه لدي الكثير من الأصدقاء في جميع أنحاء العالم، بالإضافة لعائلة محبة لطالما دعمتني وأشخاص يمكنني تسميتهم بأصدقاء الروح، لا تزال الوحدة تجد وسيلة للتسلل إلى حياتي.

أشعر بالوحدة لأنه وبغض النظر عن جميع الروابط الوثيقة التي تربطني بأصدقائي، ما زلت أشعر بأنني أفتقر إلى العلاقة الحميمية الرومانسية القوية؛ هذا النوع من العلاقة الحميمية التي تربط بين روحين برابطة قوية على جميع المستويات. كنت أقرأ كتاباً بعنوان “المدينة الوحيدة” من تأليف أوليفيا لينغ، والذي يقول “هدفنا كله هو أن نكون مخلوقات مترابطة، أو بأننا يجب أن نمتلك السعادة بشكلٍ دائم. ولكن لا يشترك الجميع بهذا المصير “.

ماذا لو كنت أحد أولئك الذين لا يشتركون بهذا المصير؟ إنه أمر مخيف ومحزن. فهذا يجعلني حزينة حقاً. ولكنه فتح عيني أيضاً على آليةٍ للتكيف مع الأمر؛ وتعلم كيفية تقبل موضوع الوحدة. لا أخفيكم بأنه أمر صعب، ولكنني أعتقد أنه من الجميل أيضاً الاستسلام (بالمعنى الروحي لهذه الكلمة) وتقبل الأمر.

سارة، 24 عاماً، مصرية
كوني من أصحاب البشرة الملونة الذين نشأوا في المملكة المتحدة، كنت محاطة في الغالب بأطفال من ذوي البشرة البيضاء والذين وضعوا لي معاييراً محددة كي أستحق صحبتهم. كان لدي بعض الأصدقاء العرب ولكنهم كانوا إما في نفس الموقف الذي كنت فيه، أو أنهم قاموا بإصدار أحكامهم علي لظنّهم بأنني كنت أحاول التخلي عن تراثي وديني (كمسلمة) من أجل التكيّف مع المجتمع. وبالتالي فقد وجدت نفسي عالقة في المنتصف، دون أن أتمكن أبداً من التعبير عمن أنا عليه حقاً. 

ولكن هذا العام كان الأسوأ. فبعد هجمات مدينة كرايست شيرش، وجدت أن العديد من أصدقائي من ذوي البشرة البيضاء غير راغبين في فهم خطورة الوضع وشدته والعديد من أصدقائي العرب استحوذت عليهم فكرة أنهم مكروهين. لقد كنت مرهقة للغاية لاضطراري على تأدية دورين متعلقين بهويتي لدرجة أنني انسحبت نوعاً ما من عدة مجموعات من الأصدقاء.

راية، 29 عاماً، بريطانية إماراتية
عندما كنت أعمل في أبوظبي، كانت البيئة غريبة. فقد كان نصف الأشخاص من الوافدين والنصف الآخر من الإماراتيين، أما أنا فقد علقت في المنتصف بينهم. إذ شعرت بأنني عربية جداً بين الوافدين البريطانيين وبأنني بريطانية جداً بالنسبة للإماراتيين. لم أشعر بالانتماء لأي من المجتمعين. وهذا ما سبب لي القلق والارتباك لأنني لم أكن أستطيع التحدث باللغة العربية أيضاً. لقد تعلمت الكثير أثناء تواجدي هناك، ولكنني لم أمتلك الثقة الكافية للتحدث بها.

كما أنني لم أكن أرتدي العباية أو الشيلة، مما أبعدني عن الكثير من الناس في العمل. إذ عبر أحدهم أمامي علناً ودون أن يعرف أنني إماراتية، عن عدم الاحترام الذي يتلقاه الإماراتيون عندما لا يذهبون لعملهم باللباس التقليدي. الأمر الذي تسبب لي بنوعٍ من الشعور بالاضطهاد. إذ شعرت حقاً بأنني وحيدة ولا أحد يدعمني، مما دفعني للاستقالة في نهاية الأمر.

حسين، 22 عاماً، فلسطيني
لطالما شعرت بالوحدة طوال حياتي. فقد كانت لدي ثلاث شقيقات وشقيق واحد هو الأكبر. لقد كن أخواتي يمضين وقتهن معاً دائماً وأخي كان مع أصدقائه، أما أنا فكنت بمفردي. وبالتالي اتجهت إلى أسلوب حياة “إيمو”، كما أنني كنت في الواقع عاطفياً، وربما كانت تلك هي طريقتي الوحيدة للتميز. وما زلت حتى اليوم، عندما أكون مع أصدقائي، أشعر بأنني مختلف عنهم. حتى من الناحية الفنية أيضاً، فأنا أؤلف موسيقى لا يعتبرها الناس في دبي موسيقى جيدة حقاً. الشخص الوحيد الذي اعتدت التحدث إليه كان والدتي، لكن حتى عندما أتحدث إليها أشعر بالوحدة. وفي عام 2018، أصبت برهاب الموت: وهو الخوف من الموت. إذ كنت أفكر بالموت بشكلٍ دائم، مما جعلني أشعر بمزيد من العزلة.

صفاء، 24 عاماً، جزائرية
بوصفي فرنسية جزائرية، أشعر بأنه من غير المسموح في فرنسا، أن تكون فرنسياً وتحمل جنسية أخرى. فالهوية الفرنسية حصرية في طبيعتها. فإذا كان لديكم هوية أخرى، فأنتم مجبرون على إخفائها. فأنا أشعر بالرفض في بلدي. ويبدو أنه كوني مسلمة وأقوم بممارسة طقوسي الدينية حولني إلى شخص انطوائي. لقد كانت والدتي المحجبة ضحية دائمة للعنصرية. أما أختي فقد أُجبرت على ترك فريق كرة اليد لأنه كانت ممنوعة من ارتداء السراويل الضيقة (ليغينغز) تحت الشورت. أما أنا فأتعامل مع هذا الشعور بكوني “من الآخرين” من خلال إخراج الأفلام الوثائقية، وفيها أستكشف صراعات الانتماء لهويتين من خلال أفلامي وهذا ما ساعدني كثيراً.

رسوم @roshbena

شارك هذا المقال