مع تبقّي مباراة واحدة فقط لتحديد ما إذا كان المنتخب الفلسطيني سيحقق أول تأهل تاريخي له إلى كأس العالم FIFA التي ستُقام في كندا والولايات المتحدة والمكسيك صيف العام المقبل، بات هناك أمر مؤكّد: بغض النظر عن النتيجة، يمكن للفلسطينيين الاعتماد على جيرانهم — الأردن — لإيصال صوتهم إلى العالم.
ففي الأسبوع الماضي، حسمت المملكة الأردنية الهاشمية تأهلها للمرة الأولى في تاريخها إلى نهائيات كأس العالم، بعد فوزها الساحق بثلاثية نظيفة على منتخب عُمان. وقد بثّ هذا الفوز روحًا من الفخر الوطني، وأزاح سنوات من التهميش والشكوك. وكون الأردن أول منتخب عربي يضمن مشاركته في مونديال 2026، فإن ذلك يعني أن واحدًا “منا” سيكون حاضرًا على المسرح الكروي الأكبر عالميًا، وأن فلسطين، بالاسم أو بالروح، ستكون حاضرة كذلك.
فلسطين حاضرة دائمًا في ملاعب العرب
ثمة نقطتان أساسيتان تستحقان التوقف عندهما. أولًا، تحضر فلسطين بشكل شبه دائم في مشاركات المنتخبات العربية في البطولات الكبرى، وازدادت هذه الحضور الرمزي بروزًا منذ السابع من أكتوبر. فعلى سبيل المثال، خطف المنتخب المغربي الأضواء خلال كأس العالم 2022 في قطر، حين رفع لاعبوه العلم الفلسطيني في احتفالاتهم بعد كل انتصار في رحلتهم التاريخية نحو نصف النهائي. ومنذ ذلك الحين، وخصوصًا مع تصاعد المجازر في غزة، تبنّت منتخبات عربية أخرى هذه الإيماءات التضامنية، حتى تحولت إلى طقس جماعي، يتكرر بغض النظر عن نتائج المباريات.
أما اليوم، فإن احتمال تكرار هذا المشهد في الملاعب الأميركية — على أرض الحليف الأوثق لإسرائيل — يمنحه بعدًا جديدًا أعمق. فقد يكون ذلك وسيلة فعالة لإيصال رسالة إلى الرأي العام الأميركي، وهو جمهور يملك، في الواقع، القدرة على التأثير في السياسات.
ولنا في تجربة حرب فيتنام عبرة. إذ لعب الرأي العام الأميركي دورًا محوريًا في تغيير مجرى تلك الحرب، من خلال احتجاجات شعبية واسعة، وضغوط طلابية، وتحركات جماهيرية أجبرت الحكومة على إعادة النظر في سياساتها. وإذا كان بإمكان الناس حينها تحدّي آلة عسكرية لدولة عظمى، فلماذا لا يتكرر ذلك الآن من أجل فلسطين؟ فعندما يكون البوصلة الأخلاقية للرأي العام واضحة، يمكنه أن يحرك الجبال. وإذا ما تحولت ملاعب أميركا الشمالية إلى ساحات يُستحضر فيها اسم فلسطين ويُحتفى بها، فقد تحمل نسخة 2026 من كأس العالم معنى يتجاوز مجرد 22 لاعبًا يركضون خلف كرة ذهبية — مهما كانت أهميتها.
منتخب الأردن… فريق يحمل فلسطين في داخله
أما النقطة الثانية، فهي أكثر خصوصية. فارتباط الأردن بفلسطين لا يقتصر على الجوار الجغرافي، بل يمتد إلى التاريخ والهوية والتركيبة السكانية. إذ تشير مصادر متعددة إلى أن نحو 70٪ من سكان المملكة الأردنية هم من أصول فلسطينية. ومع هذا المعطى، من المرجح أن يكون لبعض لاعبي المنتخب الأردني روابط شخصية أو عائلية مباشرة مع فلسطين — إن لم يكونوا فلسطينيين الأصل بأنفسهم.
لذا، عندما يُعزف النشيد الوطني الأردني في مباريات دور المجموعات، لن تكون مشاعر الفخر محصورة في الأردن فقط، بل ستتردد أصداؤها في قلوب الفلسطينيين أيضًا.
غدًا، يخوض المنتخب الفلسطيني مباراته الحاسمة، في سعيه لتحقيق حلم طال انتظاره. ومع اقتراب لحظة الحقيقة، يبقى هناك ما يبعث على الطمأنينة: الأردن سيكون إلى جانب فلسطين، مهما كانت النتيجة. ولن يكون وحده، فكل منتخب عربي ينجح في التأهل سيحمل معه روح فلسطين، كما فعل من قبل، وكما سيواصل ذلك، طالما أن القضية حيّة وتحتاج لمن يرفع رايتها.