لم يعد من السهل وصف موجات الحر الحالية بأنها مجرد «طقس صيفي». ففي 2026، سجلت أوروبا الغربية أشد شهري يونيو ويوليو حرارة منذ بدء القياسات، وفق خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ التابعة للاتحاد الأوروبي، بالتزامن مع موجات جفاف وحرائق غابات امتدت عبر القارة. وفي فرنسا، تجاوزت درجات الحرارة 40 مئوية في بعض المناطق، بينما ارتفعت حرارة الأنهار وانخفض منسوبها إلى حد دفع بعض المحطات النووية إلى خفض إنتاج الكهرباء. أما المملكة المتحدة، فسجلت درجات حرارة فوق 35 مئوية خلال مايو ويونيو ويوليو للمرة الأولى في تاريخ أرصادها، فيما أُعلن الجفاف في نحو ثلاثة أرباع إنجلترا.
هذه، على نحو متزايد، هي ملامح الحياة على كوكب ترتفع حرارته. وتصف منظمة الصحة العالمية الحر الشديد بأنه تهديد متنامٍ وملح للصحة العامة، مشيرة إلى نحو 489 ألف وفاة مرتبطة بالحرارة سنويًا بين عامي 2000 و2019. كما ترتفع درجات الحرارة في أوروبا بوتيرة تقارب ضعف المتوسط العالمي، ويتوقع العلماء أن تصبح موجات الحر أكثر تكرارًا وأطول مدة وأشد قسوة مع استمرار ارتفاع حرارة الأرض.
لكن التكيف مع الحر الشديد ليس تحديًا جديدًا بالنسبة إلى سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فقبل ظهور مكيفات الهواء بقرون، عاشت أجيال متعاقبة في بعض أكثر مناطق العالم المأهولة حرارة، من الصحراء الكبرى وشبه الجزيرة العربية إلى شمال أفريقيا وبلاد الشام. ولم يحدد المناخ ما يرتديه الناس فقط، بل أيضًا متى يعملون، وكيف ينامون، والطريقة التي بنوا بها منازلهم ومدنهم.
لم يكن أجدادنا قادرين على خفض درجة الحرارة بضغطة زر، فتعلموا بدلًا من ذلك كيف يحجبون الشمس، ويحركون الهواء حول أجسادهم ومنازلهم، ويستفيدون من برودة الليل، وينظمون إيقاع حياتهم بما يتناسب مع المناخ لا العكس.
ومع اضطرار أجزاء متزايدة من العالم إلى التأقلم مع مستقبل أكثر حرارة، تبدو بعض هذه المعارف القديمة مفيدة على نحو لافت. إليكم بعض الدروس التي يمكن استعادتها لمواجهة موجات الحر اليوم.
ارتدِ ملابس أكثر، لا أقل
قد يبدو ذلك غير منطقي حين تصل الحرارة إلى 40 درجة مئوية، لكن أحد أهم الدروس التي تركتها أجيال عاشت في الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية هو أن مواجهة الحر لا تعني بالضرورة كشف مساحة أكبر من الجلد.
فالملابس التقليدية مثل القندورة والدراعة والجلباب والثوب تشترك غالبًا في صفتين أساسيتين: الطول والاتساع. تغطية الجسم تشكل حاجزًا أمام أشعة الشمس المباشرة، بينما تترك الملابس الفضفاضة مساحة بين القماش والجلد تسمح بحركة الهواء أثناء المشي. ويصبح هذا المزيج مفيدًا خصوصًا عند قضاء وقت طويل تحت أشعة الشمس القوية.
لا تخف من الأسود
في عام 1980، نشرت مجلة Nature دراسة شهيرة حاول فيها الباحثون فهم كيف يستطيع البدو ارتداء العباءات السوداء في الصحراء من دون أن ترفع حرارة أجسادهم.
ورغم أن القماش الأسود يمتص قدرًا أكبر من أشعة الشمس مقارنة بالأبيض، وجد الباحثون أن الحرارة الإضافية التي يمتصها الثوب لا تصل بالضرورة إلى الجلد، لأن تصميمه الفضفاض يسمح بتبديدها قبل انتقالها إلى الجسم.
المغزى ليس أن الأسود أفضل دائمًا، بل أن لون الملابس وحده لا يحدد مدى ملاءمتها للحر، فالقصة تتعلق أيضًا بالقماش والاتساع والتهوية.
غطِّ رأسك
من الشاش الصحراوي إلى الكوفية والغترة في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، والحايك في المغرب العربي، وصولًا إلى أشكال العمائم واللفائف المختلفة، وفرت أغطية الرأس التقليدية حماية من الشمس والرياح الحارة والرمال والغبار.
وكان بالإمكان تعديلها بحسب الظروف، لتغطية الرقبة أو أجزاء من الوجه عند الحاجة. وبالطبع، لا ينبغي أن تحل هذه الممارسات محل وسائل الحماية الحديثة من الشمس، لكنها تذكرنا بمبدأ بسيط كثيرًا ما نغفله: واقي الشمس ليس وسيلتك الوحيدة للحماية.
أغلق الستائر قبل أن يسخن المنزل
لم تكن لدى أجدادنا ستائر عازلة للضوء من إيكيا، لكنهم عرفوا شيئًا بسيطًا وفعالًا: منع الشمس من دخول المنزل أسهل بكثير من محاولة تبريده بعدما ترتفع حرارته.
اعتمدت البيوت التقليدية في أنحاء المنطقة على المصاريع والنوافذ الغائرة والمشربيات والممرات المسقوفة والفتحات الخارجية المحدودة للتحكم في أشعة الشمس. وكانت المشربية، على وجه الخصوص، تخفف حدة الضوء مع السماح بمرور الهواء، فيما ساهمت الجدران السميكة والأفنية المظللة في الحد من تراكم الحرارة.
واليوم، لا تحتاج إلى إعادة تصميم منزلك للاستفادة من الفكرة نفسها. أغلق الستائر أو المصاريع قبل وصول أشعة الشمس المباشرة إلى النوافذ، خصوصًا في الجهة التي تتعرض لأقوى شمس بعد الظهر. فإذا انتظرت حتى تتحول الغرفة إلى فرن، تكون كمية كبيرة من حرارة الشمس قد دخلت بالفعل.
افتح النوافذ في الوقت المناسب
اعتمدت العمارة التقليدية في المناطق الحارة بدرجة كبيرة على التحكم في حركة الهواء وفقًا للوقت والظروف.
ليلًا، عندما تنخفض درجات الحرارة في الخارج، تساعد التهوية على إخراج الحرارة التي تراكمت داخل الجدران والغرف خلال النهار. أما في الساعات الأشد حرارة، فكانت الفتحات تُقلل والمساحات تُظلّل للحفاظ على البرودة قدر الإمكان.
ولا تنجح هذه الطريقة في كل الظروف، خصوصًا عندما تظل الليالي شديدة الحرارة أو ترتفع الرطوبة أو يتدهور مستوى الهواء. لكن إذا انخفضت الحرارة بوضوح بعد الغروب، فاستفد من الهواء البارد ما دام متاحًا.
لا تحاول إنجاز كل شيء في الثانية ظهرًا
هناك سبب جعل إيقاع الحياة في كثير من المناطق الحارة يتباطأ تاريخيًا خلال الظهيرة، ثم يعود إلى النشاط بعد غروب الشمس.
عندما تضرب موجة حر، حاول تنظيم يومك بالطريقة نفسها. مارس الرياضة في الصباح الباكر أو المساء، واخرج للمشي قبل بلوغ الحرارة ذروتها، وأجّل بعض المشاوير إلى ما بعد الغروب متى أمكن. وإذا كان عملك في الخارج ويمكن تغيير موعده، فتجنب الساعات الأشد حرارة.
الفكرة بسيطة: بدل أن تقاوم الطقس طوال اليوم، حاول أن تتحرك حوله.
الأرض أكثر برودة مما تظن
كل من نشأ في بيت عربي يعرف هذه الحيلة بالفطرة تقريبًا. فالهواء الساخن يرتفع إلى الأعلى، ما يعني أن الأجزاء المنخفضة من الغرفة قد تكون أبرد، خصوصًا في المنازل ذات الأسقف المرتفعة والأرضيات الحجرية أو المبلطة.
كما استخدمت البيوت التقليدية الحجر والبلاط ومواد أخرى تبقى أكثر برودة عند ملامسة الجسم مقارنة بالأرائك والسجاد والمراتب.
لا يعني هذا أن عليك النوم على الأرض طوال الصيف، لكن خلال موجات الحر قد يكون من المفيد الانتباه إلى الفروق في درجات الحرارة بين أجزاء منزلك واختيار المكان الأكثر برودة.
تناول الماء، لا تشربه فقط
يكفي النظر إلى أطعمة الصيف التقليدية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لنجد الكثير من المكونات التي تبدو مناسبة بالفطرة للأجواء الحارة.
البطيخ والشمام والخيار والطماطم والعنب والحمضيات والزبادي وغيرها من الأطعمة الغنية بالماء يمكن أن تكون إضافة مفيدة خلال الصيف.
وبالطبع، لا يمكن للطعام أن يحل محل شرب السوائل، لكنه يساهم في إجمالي ما يحصل عليه الجسم من الماء. ويصبح الحفاظ على الترطيب أكثر أهمية مع الحر الشديد والتعرق، لأن الجفاف يضعف قدرة الجسم على تنظيم حرارته.
غيّر طريقة تنقلك
وفرت المدن العتيقة في المنطقة للمشاة شوارع ضيقة وممرات مسقوفة ومظلات وظلالًا تصنعها المباني المتقاربة. كما ساعدت الملابس على خلق حاجز إضافي بين الجسم والشمس.
في المقابل، تجبرنا المدن الحديثة كثيرًا على عبور شوارع واسعة وساحات ومواقف مكشوفة تحت أشعة الشمس المباشرة.
قد لا تستطيع إعادة تصميم حيّك قبل مشوارك المقبل، لكن يمكنك تغيير الطريقة التي تتحرك بها داخله. اختر الجانب المظلل من الشارع، واسلك الطرق التي تضم أشجارًا أو ممرات مغطاة حتى إن كانت أطول قليلًا. انتظر وسائل النقل في الظل، واحمل مظلة إذا كنت ستبقى في الخارج وقتًا طويلًا، وحاول ركن السيارة تحت سقف أو في مكان مظلل متى أمكن.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، قد لا تكون كل حلول المستقبل جديدة بالضرورة. بعض أبسط الطرق للتعايش مع الحر عرفتها المنطقة منذ قرون، لأنها نشأت أصلًا من ضرورة فهم المناخ والعيش معه بدلًا من مقاومته.
الصورة الرئيسية: بورتريه ذاتي للفنانة شيرين نشأت من سلسلة «Soliloquy»، عام 1999.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.