في عالم تهيمن عليه الشيفرات والذكاء الاصطناعي والأتمتة، تبدو مشاهدة شيء لا يمكن تسريعه أو نسخه أو اختراقه تجربة مدهشة—أقرب إلى الطقس المقدّس. هذه هي قوة الهوت كوتور، وما يقدّمه جورج حبيقة في مجموعته لخريف 2025 ليس تذكيرًا بهذه القوة فقط، بل تأكيدًا صارخًا عليها.
وسط قاعات Palais Brongniart النيوكلاسيكية، في ظهيرة رمادية ممطرة في باريس، تنقّل العرض بين أركان المبنى الذي كان يومًا مركز بورصة باريس، رمزًا للنظام والهيكلية والتقاليد. لكن في هذا الموسم، تحوّل إلى موقع لعملة جديدة: الإخلاص للحرفة.
كان عرض جورج حبيقة الأخير عودة مقصودة إلى الصفاء، إلى المهارة اليدوية، وإلى طقس الخلق ببطء وبحب. ومع انطفاء الأضواء ومرور الفستان الأول فوق الأرضية الخشبية، اتضح أن ما نراه ليس مجرّد عرض أزياء، بل بيان فني.
في زمن تُنتج فيه الخوارزميات المئات من التصاميم في ثوانٍ، تظلّ الكوتور فعلًا يدويًا مقاوِمًا. وقد تبنّى جورج حبيقة هذا التمرّد بعناية فائقة. كل قطعة، خيطت بإتقان شديد تحت الإدارة الإبداعية المشتركة بين جورج وابنه جاد، كانت بمثابة رفض لتسطيح العالم الرقمي.
ما بدا في البداية كفساتين دانتيل خفيفة كالهوا، كشف عند الاقتراب عن ثقل في المعنى والنية. الإطلالات الافتتاحية—فساتين متوسطة الطول بتطريز عاجي، محددة الخصر ومُتوجة بكابات معمارية التصميم—عكست انضباطًا يكاد يكون رهبانيًا. الخطوط استحضرت ملامح الرداء الكهنوتي، فيما أوحت الزخارف السماوية والتكوينات المتناظرة بروح صوفية أعمق.
حتى أكثر الأقمشة ليونة، كُوّنت عبر تقنيات دقيقة حد الوسواس. أحد الفساتين، باللون العاجي وبدون حمالات، بدا وكأنه حديقة ثلاثية الأبعاد من حلقات مطرزة يدويًا تتلألأ تحت الأضواء، وكل غرزة فيه وُضعت بجراحية متقنة. قطعة أخرى بارزة كانت فستانًا شفافًا بلون البرونز، تناثرت عليه الكريستالات كأنها نجوم معلّقة في الفضاء.

Georges Hobeika Fall 2025 Couture. Supplied
الألوان لعبت دورًا أساسيًا وإن بدا خافتًا. تشكّلت لوحة الألوان من الشمبانيا، العاج، الذهب العتيق، والوردي الباهت، مع لمسات غنية من الشوكولاتة، النبيذي، وأزرق منتصف الليل الداكن. أما الأقمشة، فتراوحت بين الحالم والنحتي: التول، الساتان، الحرير، والأورغنزا—كُلّها شُكّلت بإبداع يغازل الماضي والمستقبل معًا. حتى الثنيات، كما في فستان عمودي من الساتان الذهبي مع ياقة شفافة مرصعة بالجواهر، طُويت كأوراق أوريغامي لا تُفتح إلا مع كل خطوة على المدرج.
حتى أبسط الفساتين لم تكن “بسيطة” حقًا. فهكذا هو الإتقان: يبدو بلا جهد، لكنه أبعد ما يكون عن السهولة.
من اللافت أن تُعرض مجموعة قائمة على السيطرة، الصمت، والنعمة داخل مبنى لطالما ارتبط بالتقلبات والمخاطر المالية. وكأن حبيقة يستعيد هذا الفضاء، ويحوّله من معبد تجاري إلى كاتدرائية للسكينة والمهارة.

Georges Hobeika Fall 2025 Couture. Supplied





اقرأ أيضا
أمينة معادي تفتتح أول متجر رئيسي لها في باريس!