كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها إلى ألعاب «نيدو» (NeeDoh) من خلال ابنة أختي ذات الأعوام الثلاثة. كان لديها عدد منها، ألعاب طرية بألوان زاهية مبعثرة وسط مجموعتها المعتادة، ولم يخطر ببالي أنها قد تكون أكثر من مجرد لعبة أخرى للأطفال. إلى أن أمسكت واحدة منها.
من الصعب، وبشكل محرج قليلًا، أن تضع «نيدو» جانبًا بمجرد أن تبدأ باللعب بها. تعصرها، تسطحها بين يديك، تضغط عليها بإبهامك، ثم تراقبها وهي تستعيد شكلها ببطء، لتجد نفسك تعيد الحركة نفسها مرة أخرى من دون تفكير.
وسرعان ما بدأت ألاحظها في أماكن أخرى: على تيك توك، فوق المكاتب، داخل حقائب اليد، والأهم، في أيدي أشخاص أكبر بكثير من ابنة أختي.
إذا كنت قد قضيت بعض الوقت على الإنترنت هذا العام، فربما لاحظت الظاهرة بدورك. فقد تحولت «نيدو»، وهي لعبة حسية قابلة للعصر تنتجها شركة الألعاب الأمريكية شيلينغ (Schylling)، إلى واحدة من أكثر صيحات 2026 الاستهلاكية غرابة.
ولا يبدو منتجها الأكثر مبيعًا، «نايس كيوب» (Nice Cube)، استثنائيًا للوهلة الأولى. هو ببساطة مكعب شبه شفاف مملوء بمادة هلامية، تتغير مقاومتها بحسب طريقة الضغط عليه. لكن هذه البساطة لم تمنع المتاجر من مواجهة صعوبة في توفيره، فيما تحصد مقاطع عصر «نيدو» ومقارنة إصداراتها وجمعها ملايين المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي.
الأطفال يحبونها، وهذا ليس مفاجئًا. المفاجأة هي أن عددًا متزايدًا من البالغين يريدونها أيضًا.
ولا يقتصر الأمر على «نيدو». ففي الولايات المتحدة، أصبح البالغون من عمر 18 عامًا فما فوق أكبر شريحة من مشتري الألعاب، متجاوزين أطفال ما قبل المدرسة، مع إنفاق تجاوز 7.6 مليار دولار خلال عام 2024.
حتى إن قطاع الألعاب ابتكر مصطلح «Kidults»، الذي يجمع بين كلمتي Kids وAdults، لوصف البالغين الذين يشترون منتجات ارتبطت طويلًا بالأطفال، من مجموعات ليغو والألعاب المحشوة إلى المجسمات والمقتنيات.
لكن وراء الحنين أو متعة جمع الألعاب، يبدو أن هناك عاملًا آخر يدفع هذه السوق. فقد أشارت شركة أبحاث السوق سيركانا (Circana) إلى تزايد شعبية الألعاب المرتبطة باليقظة الذهنية والصحة النفسية، وإلى استعداد المستهلكين بشكل أكبر للإنفاق على منتجات تمنحهم بعض الراحة النفسية.
وهنا يصبح نجاح «نيدو» أكثر قابلية للفهم. فنحن نعيش في زمن يزداد فيه القلق والتوتر، وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن 359 مليون شخص حول العالم كانوا يعانون من اضطرابات القلق في عام 2021، ما يجعلها أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا عالميًا.
وفي الإمارات، وجدت إحدى الدراسات أن 33.1% من المشاركين بين 18 و35 عامًا عانوا من قلق اجتماعي شديد، مقارنة بـ13% ممن تبلغ أعمارهم 36 عامًا فما فوق. كما أظهرت دراسة أخرى شملت أكثر من 7200 طالب وطالبة جامعيين إماراتيين أن الأصغر سنًا كانوا أكثر عرضة للقلق، فيما أبلغ 8% من المشاركين عن أعراض شديدة.
وقد لاحظت عالمة النفس السريري باربرا غرينبرغ (Barbara Greenberg) هذا الاستخدام لألعاب «نيدو» داخل عيادتها أيضًا. وكتبت في Psychology Today أنها توفرها لمرضاها، ولاحظت لجوء بعض المراهقين إليها كبديل لسلوكيات مثل العبث بالجلد وإيذاء النفس، فيما يستخدمها بعض البالغين للتعامل مع التوتر والقلق أو ببساطة لإبقاء أيديهم مشغولة أثناء العمل والدراسة.
لكن الفكرة نفسها أقدم بكثير من «نيدو». لطالما بحثنا عن طرق لإبقاء أيدينا مشغولة: ننقر بالقلم، نلف خصلات الشعر حول أصابعنا، نخربش على هوامش الأوراق أو نحرك أرجلنا تحت المكتب. وقبل أن تصبح كلمة «حسي» وسيلة لتسويق الألعاب، كانت الحركات اللمسية المتكررة جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية.
كرة تخفيف التوتر حولت هذا السلوك إلى منتج، أما «نيدو» فمنحته تصميمًا ملونًا وجذابًا، والأهم، مثاليًا لتيك توك.
والنتيجة؟ بحلول أوائل 2026، وصلت عمليات البحث عن «نيدو» على غوغل، وفقًا للتقارير، إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، فيما بدأت الشحنات تختفي من المتاجر فور وصولها تقريبًا. وقال الرئيس التنفيذي لشركة شيلينغ، بول وينغارد (Paul Weingard)، إن الشركة باعت خلال الأسابيع التسعة الأولى من العام كامل الكمية التي كانت تتوقع بيعها طوال 2026.
واضطرت بعض المتاجر إلى تحديد عدد القطع التي يمكن للشخص الواحد شراؤها، بينما بدأت ألعاب يتراوح سعرها الأصلي بين بضعة دولارات ونحو 15 دولارًا تظهر على منصات إعادة البيع بأسعار أعلى بكثير.
والمفارقة واضحة: لعبة نشتريها كي نخفف التوتر أصبحت نادرة إلى درجة تجعل البعض يتوتر بحثًا عنها.
لكن هوس «نيدو» يكشف أيضًا شيئًا أكبر عن العلاقة المتزايدة بين العافية والاستهلاك. ففي عالم أصبحت فيه الراحة النفسية نفسها سوقًا ضخمة، يمكن تحويل أبسط السلوكيات التي نلجأ إليها للتعامل مع الضغط إلى منتج جديد علينا شراؤه.
قد ينتهي هوس «نيدو» بالسرعة نفسها التي انتهت بها ترندات كثيرة سبقته، لكن الرغبة التي تقف خلفه أقدم من الإنترنت نفسه. لطالما نقرنا وعبثنا وعصرنا الأشياء في أيدينا عندما نشعر بالتوتر. الجديد فقط أن أحدهم وجد طريقة لوضع هذه الرغبة داخل مكعب شفاف وملون، ثم باع مخزون عام كامل منه في تسعة أسابيع.