richard-mille-logo24
من المسافة صفر فيلم

“من المسافة صفر”: عندما توثق غزة نفسها، بعيدًا عن شاشات العالم

متوفر في صالات السينما

من المسافة صفر فيلم

ليست الإبادة الجارية في غزة هي الأولى في التاريخ البشري، لكنها بالتأكيد الإبادة الأولى في العصر الحديث التي تُبثّ مباشرة على الهواء. تُعرض في نشرات الأخبار، تُتداول في فيديوهات الهواتف، وتُشاهد بالملايين… لكن من دون أن تُفهم.

حين بدأت الحرب على غزة في أكتوبر 2023، لم يتخيل حتى أكثر المتشائمين أن تمتد لأكثر من عامين. مجازر ارتُكبت بحق المدنيين، طالت المدارس والمستشفيات والمنازل وحتى خيام النازحين. وفي لحظة بدا فيها كل شيء عاديًا حتى الموت، قرر المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي أن يفعل ما يعرفه جيدًا: أن يصنع فيلمًا.

لكن هذه المرة، لم يحمل هو الكاميرا. بل أطلق مشروعًا يشرف عليه عن بعد، يجمع 22 فيلمًا قصيرًا أخرجها شباب وشابات من غزة، من قلب الموت، من المسافة صفر”. أعمال توثق ما رأوه، وما شعروا به، وما جال في مخيلاتهم وسط القصف المستمر. بمساعدة خبرته التقنية وصلاته في الوسط السينمائي، تمكّن مشهراوي من جمع هذا الأرشيف الفني المؤلم بموارد شبه معدومة داخل القطاع.

توثيق جماعي، من تحت الركام

في هذا المشروع، لكل فيلم لونه ولهجته، لكن الرابط بينها جميعًا هو تلك التروما الجماعية التي لا يمكن تجاهلها. لا موسيقى، فقط صوت الزنانة الذي لا يغيب عن سماء غزة. لا نهايات مغلقة، بل قصص مفتوحة على جراح لا تندمل. أفلام بلا شعارات، وبلا محاولات تزيين للألم.

“المسافة صفر” لا يقدم لنا غزة من الخارج، بل من داخلها. من الزاوية التي لا تراها عدسات الإعلام الدولي، من المسافة التي تصبح فيها كاميرا أهل غزة هي الوحيدة القادرة على نقل المعنى.

من المسافة صفر بين النجاة والموت

مشهد الأطفال من المسافة صفر

أنت كمشاهد، تصبح جزءًا من تجربة الفيلم. انسَ كل الأخبار، كل الفيديوهات التي مرّت أمامك على مواقع التواصل. وأنت جالس في مقعد السينما، ستبكي، ستضحك، وقد ترغب في لحظةٍ ما أن تصرخ. لأن ما ستراه لا يشبه أي شيء رأيته من قبل. أصوات الغزّاوِيّين المكبوتة، أمواتهم الذين لم يعودوا مجرّد أرقام على شريط الأخبار العاجلة، معايشتهم أو بالأحرى تعايشهم مع هول ما أصابهم، أحلامهم التي تتبخر أمام عينيك وعينيهم.

في فيلم “في 24 ساعة” لعلاء دامو، نتابع مصعب وهو ينجو من ثلاث غارات، كل واحدة منها استهدفت منطقة وُصفت بأنها “آمنة”. يخرج حيًّا من تحت الركام في كل مرة. فتتساءل: كيف تبدو 24 ساعة من حياتك؟ وماذا تذكّر من آخر 24 ساعة عشتها؟

أما في “جلد ناعم” لخميس المشهراوي، فستسترجع كل تلك المنشورات عن الأمهات اللواتي كتبن أسماء أطفالهن على أذرعهم لعلّ من يعثر عليهم — أحياء أو أموات — يتمكن من التعرف عليهم. لكنك هنا لا تقرأ منشورًا، بل ترى الأثر على وجوه الأطفال. هل تخيّلت طفلًا نائمًا ويدرك أن اسمه المحفور على جلده هو وسيلته الأخيرة ليتم التعرف على جثته إن سقط عليه صاروخ؟ تأخذك كاميرا المشهراوي إليهم، لا لتشرح، بل لتجعلهم يقولون ما لا يُقال.

وفي “إعادة تدوير” لرباب خميس، لا تُرفَع شعارات. ليست رسالة بيئية، بل توثيق لحياة تُمارس التدوير قسرًا، لا خيارًا. أنت من تردد كلمات مثل “عدم الهدر”، “الاستدامة”، “حماية المياه”… لكنها تفعل ذلك فعلًا. لا لأنها واعية بيئيًا، بل لأنها تحت القصف، ولا تملك ماءً. وعندما تشاهد حياة امرأة في منزل مقصوف، بلا ماء، بلا أدوات تنظيف، بلا طعام… تمتد يدك تلقائيًا إلى قنينة الماء بجانبك، تشرب، وتحاول أن تهضم ما رأيت.

ما تبثّه شاشات الأخبار لا يشبه ما يعيشه الناس في غزة. هذه هي الحقيقة العارية التي ستخرج بها من الفيلم. و

ما لا تقوله الأخبار ترويه الأفلام في ‘من المسافة صفر’ 

مشهد من فيلم من المسافة صفر

مشاهدة “من المسافة صفر” تُحدث ما لا تصنعه الأخبار. ليس لأن الصور مختلفة، بل لأن اللغة مختلفة. لأن هذه المرة، من يصور هو من يعيش. من ينقل هو من فقد. من يروي هو من يحاول أن يتنفس رغم الحصار.

إذا بكيت أثناء المشاهدة، اشرب ماءك وواصل الحديث عنهم. لأنهم هناك، في طوابير المياه، في رحلة الهرب من الغارات، في محاولات البحث عن مكان “آمن”، في كفن “كريم” الذي ينام به ليحتمي من البرد، في إصرار الحمارة “ونيسة” على نقل سكان غزة رغم الإنهاك والجوع وفقدان صاحبها.

“من المسافة صفر” ليس فقط عملاً توثيقيًا. بل فعل مقاومة، وشهادة على معنى أن تظل حيًا بينما يُنتزع كل شيء من حولك. حين ترى غزة تُصوّر نفسها، لن تعود قادرًا على مشاهدتها بالطريقة ذاتها مرة أخرى .

 

شارك(ي) هذا المقال