مرّ نحو شهر على وصول فيلم «الأوديسة» (The Odyssey) ل
كريستوفر نولان إلى دور السينما، لكن النقاش حوله لا يبدو قريبًا من نهايته. فمع استمرار الجمهور في تفكيك مشاهده والبحث في تفاصيله، أعاد الفيلم ملحمة هوميروس إلى الواجهة، معرّفًا بها جيلًا يكتشفها للمرة الأولى، ودافعًا آخرين إلى العودة إلى واحدة من أشهر حكايات الرحلة في تاريخ الأدب.
لكن وسط كل هذه العودة إلى الأسطورة، يبرز سؤال مثير للاهتمام: إذا كان أوديسيوس قد أمضى عشر سنوات يتنقل تائهًا في البحر المتوسط محاولًا العودة إلى إيثاكا، فهل يُعقل أنه لم يصل خلال رحلته إلى شمال أفريقيا؟
يبدو أن الفكرة ليست بعيدة تمامًا عن الاحتمال.
فملحمة «الأوديسة» لا تذكر أسماء جغرافية يمكن مطابقتها بصورة قاطعة مع خريطة البحر المتوسط اليوم، كما لا يزال الباحثون يختلفون حول المسار الحقيقي، إن وُجد، لرحلة أوديسيوس. ومع ذلك، ارتبط عدد من الأماكن التي وصفها هوميروس على مر القرون بمناطق تقع اليوم في شمال أفريقيا، وتحديدًا في تونس وليبيا.
وتقودنا أبرز هذه الروابط إلى تونس، وتحديدًا جزيرة جربة.
ففي إحدى المحطات الأولى من رحلته، يصل أوديسيوس ورجاله إلى أرض آكلي اللوتس، حيث يأكل بعض أفراد طاقمه ثمرة غامضة تجعلهم ينسون وطنهم ويفقدون رغبتهم في العودة إليه.
ومنذ العصور القديمة، ربطت قراءات مختلفة هذه الأرض بجزيرة جربة الواقعة قبالة الساحل الجنوبي الشرقي لتونس. واستند هذا الربط إلى وجود أشجار اللوتس في المنطقة، إلى جانب إشارات وردت لدى كتّاب من العهدين اليوناني والروماني، ما جعل جربة واحدة من أكثر المواقع ارتباطًا جغرافيًا بحكايات «الأوديسة».
لكن خيوط الرحلة في شمال أفريقيا لا تنتهي عند تونس.
فبعض الباحثين ربطوا أيضًا أرض اللايستريغونيين بالساحل الليبي. وفي الملحمة، يصل أوديسيوس إلى أرض هؤلاء العمالقة، قبل أن ينصبوا كمينًا لأسطوله ويدمروا جميع سفنه تقريبًا، فلا تنجو سوى سفينة واحدة.
كما ربطت قراءات أخرى ليبيا بصورة أوسع بالأراضي الخصبة التي يصفها هوميروس، حيث تزدهر الماشية والأغنام والمحاصيل على مدار العام.
لا يعني ذلك، بالطبع، أن بإمكاننا رسم خط واضح على الخريطة والقول إن أوديسيوس مرّ من هنا بالفعل. فهذه المواقع ظلت موضع نقاش بين الباحثين، ولا يوجد إجماع على مطابقة جغرافيا الملحمة بعالمنا المعاصر.
لكن هذه القراءات تكشف شيئًا ربما يكون أكثر إثارة من تحديد المسار نفسه: شمال أفريقيا لم يكن غائبًا عن المخيلة اليونانية القديمة. فالضفة الجنوبية للبحر المتوسط كانت جزءًا من عالم متصل عبر التجارة والسفر والحكايات والأساطير، ومن الطبيعي أن تتسلل صورها وأماكنها إلى القصص التي تشكلت حول هذا البحر.
لذلك، عندما تشاهد «الأوديسة» وترى أوديسيوس ينتقل من جزيرة غامضة إلى أخرى، ربما يستحق الأمر أن تنظر إلى الرحلة من زاوية مختلفة.
فبين الأسطورة والجغرافيا، وبين جربة والساحل الليبي، هناك ما يكفي من الخيوط لطرح احتمال مثير: أن واحدة من أشهر الرحلات في تاريخ الأدب ربما مرّت أيضًا بشواطئ ما نعرفه اليوم بالعالم العربي.