يعتمد تلفزيون الواقع منذ بداياته على الصدمة والإثارة. لكن، ماذا يحدث حين يتجاوز فريق الإنتاج الخط الفاصل بين “الدراما” و”الضرر الفعلي”؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه كثيرون مع استمرار الموسم السابع من برنامج Love Island USA.
من بين أبرز الشخصيات هذا الموسم، برزت هدى مصطفى، شابة فلسطينية-أمريكية، دخلت الفيلا منذ اليوم الأول، لتكون أول فلسطينية تشارك في النسخة الأمريكية من البرنامج. من قلادتها المكتوب عليها “الله”، إلى وشومها العربية، قدّمت هدى صورة مختلفة عن المعتاد في برامج المواعدة الأمريكية، حيث يندر ظهور نساء مسلمات أو من خلفيات عربية. وجودها، في حد ذاته، تحدٍ صريح للمعايير النمطية المبيّضة لمن يحق له “الوقوع في الحب” على الشاشة.
لكن هذا الظهور الجريء، قابله فريق الإنتاج بقرار لا يمكن وصفه إلا بأنه صادم: إدخال إيلان بيباس، شاب إسرائيلي يبلغ من العمر 24 عامًا، في مفاجأة “كازا آمور” التي تُستخدم عادة لخلط الأوراق داخل الفيلا.
ظاهريًا، بدا بيباس كأي مشارك جديد. لكن سرعان ما كشفت تحريات الجمهور عن صور له تعود لعام 2022 وهو يلتقط صورًا مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب متابعته لحسابات صهيونية مؤيدة لإسرائيل على إنستغرام.
ورغم أنه لم يدلِ بأي تصريحات سياسية علنية، فإن نشاطه الرقمي لا يدع مجالًا للشك بشأن ميوله الأيديولوجية.
في المقابل، كانت هدى، مثل باقي المتسابقين، معزولة عن العالم الخارجي دون هاتف أو إنترنت. لم يكن لديها وسيلة لمعرفة من هو بيباس حقًا. والأدهى، أن قبلةً جرت بينهما خلال لعبة جماعية نظمها فريق الإنتاج، دون أن تعرف أنها قبّلت شابًا يُجاهر بدعمه لجيش يرتكب إبادة جماعية بحق شعبها في غزة.
هذا المشهد لم يأتِ في وقت عادي. بل تزامن مع تصاعد الكارثة الإنسانية في غزة، حيث يُقتل الفلسطينيون يوميًا، وتعيش الجالية الفلسطينية في العالم حالة من الحداد والتعبئة. في هذا السياق، قرر البرنامج خلق لحظة تلامس حدود العنف النفسي: وضع شابة فلسطينية في تفاعل حميمي مع شخص يدعم أيديولوجيا ودولة تعمل على نزع إنسانية شعبها.
هناك خطوط لا يجب تجاوزها، حتى باسم الترفيه. وهذا الموسم من Love Island تخطى تلك الخطوط.
وما يزيد القلق، أن هذه ليست الحادثة الوحيدة. بل جزء من نمط متكرر في اختيارات البرنامج. فبمجرد خروج بعض المشاركين، أو من خلال تحقيقات الجمهور، تبيّن أن عددًا من الرجال في الفيلا يتبنون آراء يمينية متطرفة أو ينتمون إلى ما يُعرف بثقافة “الريد بيل” (red pill).
مثال على ذلك: أوستن شيبرد، شاب معروف بدعمه العلني للرئيس السابق دونالد ترامب، تم إقرانه مع أمايا، شابة من أصول دومينيكية.
وفي حالة أخرى، شاب دخل في علاقة مع المتسابقة هانا، تبيّن لاحقًا أنه صهيوني ومحافظ سياسيًا. نشرت شقيقتها لاحقًا أن هانا، لو علمت بآرائه، لما تقرّبت منه، خاصة أنها مؤيدة للقضية الفلسطينية وتميل إلى الفكر الليبرالي.
هذه التناقضات ليست تفصيلًا بسيطًا. فعدد من النساء في هذا الموسم ينحدرن من خلفيات مهاجرة، مسلمة، أو ملوّنة. وهنّ يُجبرن—بفعل تلاعب المنتجين وتصويت الجمهور—على التفاعل مع رجال لا يعكسون قيمهن، ولا يعرفن عنهم شيئًا حتى بعد مضي أيام من التصوير.
قد يكون من السهل إلقاء اللوم على فريق الإنتاج، وهو أمر يستحقه. لكن، الواقع قد يكون أكثر سوداوية: ربما لم يبحث Love Island عن مؤيدي ترامب أو الصهاينة أو رموز “الريد بيل”—ربما هؤلاء ببساطة هم من يتقدّمون للمشاركة.
تقرير صادر عن مركز قانون الفقر الجنوبي عام 2023 أشار إلى أن واحدًا من كل خمسة شبان من الجيل زد في أمريكا ينظر بإيجابية إلى شخصية أندرو تايت. أما جوردان بيترسون فلا يزال يحظى بجمهور واسع بين الشبان، في ظل دفع الخوارزميات على يوتيوب وتيك توك بمحتوى يميني متطرف بشكل يومي.
ثقافة “المانوسفير” التي تُقدَّم على أنها “تطوير ذاتي” أصبحت تروّج لخطاب رجعي متطرف، وها هي اليوم تتسلّل إلى برامج المواعدة التي كانت يومًا مساحة للهروب من الواقع، لكنها اليوم تعكس تحولًا ثقافيًا مقلقًا.
وهنا، يصبح السؤال: هل أخطأ المنتجون باختيارهم؟ نعم.
هل تجاهلوا معاناة حقيقية لصالح “لحظة مثيرة”؟ نعم.
لكن الأهم: هل سيدفع الجمهور للمطالبة بمحاسبة هذه المنصات، أم سنقبل بهذه “العاديّة” الجديدة التي تُسكت الألم الفلسطيني باسم الحب؟
اقرأ أيضا
كيف أصبحت هدى مصطفى من Love Island USA أكثر شخصية فلسطينية تُتداول في برامج الواقع التلفزيونية؟