هل سمعت ذلك؟ إنه زفير الراحة الجماعي الذي أطلقه المسلمون حول العالم بعد أن تأكد أن قاتل الناشط اليميني الأميركي تشارلي كيرك لم يكن شخصًا ذا ملامح سمراء أو اسم عربي. في الأسبوع الماضي، قُتل كيرك بالرصاص خلال فعالية في جامعة يوتا فالي. ولساعات طويلة، بقي الجميع يترقب هوية القاتل. وعندما أعلنت السلطات أن المتهم هو تايلر روبنسون، شاب أبيض يبلغ من العمر 22 عامًا، شعر كثير من المسلمين براحة ليست ناتجة عن الشماتة أو الاحتفال، بل عن نجاة مؤقتة: هذه المرة لن يتم تفعيل آلة الاشتباه الجماعي ضدهم.
حاكم ولاية يوتا، سبنسر كوكس، قال بوجه متأثر إنه كان يصلي “ألا يكون الجاني واحدًا منّا”. عبارة صغيرة لكنها فجّرت جدلًا واسعًا حول من المقصود بـ”نحن”، ومن يُستثنى من الانتماء الوطني عند وقوع الفاجعة. لكنها أيضًا اختزلت ما يعيشه كثيرون من أقليات—خاصة المسلمين—في اللحظات الأولى لأي هجوم: قلق من أن تتحول هويتهم فجأة إلى تهمة.
يحدث هذا لأن التاريخ القريب علّم المسلمين ما يعنيه أن يكون الجاني “واحدًا منهم”، أو حتى يُعتقد أنه كذلك. فبعد 11 سبتمبر، بُنيت منظومة سياسية وإعلامية كاملة لترسيخ فكرة “الذنب الجماعي”. وسائل الإعلام ضخّمت كل حادث يرتكبه مسلم، حتى أن دراسة في مجلة Justice Quarterly وجدت أن الهجمات التي ينفذها مسلمون تحظى بتغطية إعلامية تزيد بنسبة 357% عن تلك التي ينفذها غير المسلمين. هذه الفجوة لا تخلق الخوف من العدم، لكنها تغذيه، وتعيد تشكيله حتى يصبح “العنف الإسلامي” هو الشكل الوحيد المرئي، بينما يُطوى باقي العنف في خلفية إحصائية باهتة.
النتائج لم تكن رمزية فقط. في 2015، تصاعدت جرائم الكراهية ضد المسلمين بنسبة 67%، مدفوعة بخطابات سياسية وصحفية تربط الإسلام بالعنف. ومع كل هجوم جديد، تُغلق المساجد، وتُلغى المناسبات، وتُجهّز بيانات الإدانة، وكأن الاعتذار الجماعي صار شرطًا للمواطنة. لا أحد يطلب من جماعة دينية أخرى أن تبرّئ نفسها على الهواء بعد كل جريمة يرتكبها فرد منها—إلا المسلمين.
والمفارقة أن المسلمين ليسوا وحدهم من يدفع الثمن. السيخ، والهندوس، والمسيحيون العرب، وكل من يمتلك ملامح “بُنية” تم تصنيفهم ضمن دائرة الشبهة فقط لأنهم يشبهون الصورة النمطية التي طبعتها هوليوود ونشرات الأخبار منذ عقدين. بعد 11 سبتمبر، كان السيخ الذين يرتدون العمامة من أوائل من تعرّضوا لهجمات انتقامية في أميركا، دون حتى أن يسألهم أحد عن دينهم.
والأكثر غرابة أن الواقع الإحصائي لا يشبه هذه الرواية. معظم منفذي عمليات إطلاق النار الجماعي في الولايات المتحدة رجال (بنسبة 98%)، والغالبية من البيض، والانتماءات الأيديولوجية المهيمنة على الإرهاب الداخلي تنتمي لليمين المتطرف، لا للحركات الإسلامية. وجود العنف الإسلاموي لا يُنكر، لكن المبالغة في تسليط الضوء عليه واختزاله في سردية واحدة هو ما يصنع الخلل. هذا الخلل هو ما يحدد من يُراقب، ومن يُساءل، ومن يُحرم من حرياته بعد كل كارثة.
♬ Hallelujah – Classical Sound Effect – Power Sound Effects
وما يحدث في أميركا لا يبقى داخل حدودها. خطاب الحرب على الإرهاب تحوّل إلى منتج عالمي، تصدّره الولايات المتحدة في الإعلام والسياسة. صورة “المسلم الإرهابي” لم تبقَ في نشرات فوكس نيوز، بل وجدت طريقها إلى الصحف البريطانية، وخطابات ماكرون، والدعاية الهندية، وحتى حملات القمع في الصين ضد الإيغور. في بريطانيا، ربط أكثر من ثلث التغطيات الصحفية للمسلمين بالإرهاب. وفي فرنسا، توسّع مفهوم “الراديكالية” ليشمل الحجاب والطعام الحلال. في الهند، وُصف تجمع إسلامي في بداية وباء كورونا بأنه “جهاد كورونا”، وكأن المرض مؤامرة دينية. وفي الصين، استخدمت بكين مصطلحات “التطرف” و”مكافحة الإرهاب” لتبرير معسكرات إعادة التعليم ومراقبة شعب كامل.
أما الأثر الأعمق، فهو نفسي. الباحث مصطفى بيومي وصف التجربة بسؤال مؤلم: “كيف يبدو أن تكون مشكلة؟” هذا الشعور—أن هويتك عبء سياسي—لم يولد مع 11 سبتمبر، لكنه أصبح منذ تلك اللحظة جزءًا من الحياة اليومية: في المطارات، في مقابلات العمل، وحتى أثناء مشاهدة الأخبار. الباحثة مها هلال لخّصت ذلك بجملة يعرفها كل مسلم: “أنت بريء… حتى يثبت أنك مسلم.”
هذه ليست مؤامرة إعلامية بقدر ما هي استجابة لمنظومة طلب مبنيّة على الخوف. الإعلام لا يختلق القصص، لكنه يتبع ما اعتاد الجمهور النقر عليه. وكلما تصدّرت “الإرهاب الإسلامي” العناوين، ترسخت صورة ذهنية تصبح أقوى من الواقع. ولهذا، عندما يُقتل أحد، يراقب المسلمون الأخبار بقلق: صورة مفبركة، تحليل متسرّع، إشاعة مصدرها الذكاء الاصطناعي—كلها قد تخلق أضرارًا لا تمحى قبل أن يظهر التصحيح على الهامش.
لذا، حين تنفس المسلمون الصعداء بعد معرفة أن الجاني أبيض، لم يكن ذلك من باب الفخر، بل من باب الدفاع الذاتي. لأنهم يعرفون السيناريو البديل جيدًا. يعرفون أن الهجمات التي ينفذها مسلمون تعني تركيب أزرار طوارئ في المساجد، تعبئة خطوط الطوارئ في منظمات الحقوق المدنية، تنبيهات للفتيات المحجبات بتغيير طرق الذهاب للجامعة، وعودة الشريط الإعلامي المعتاد: “أين إدانات المسلمين؟”—مع أنها موجودة في كل مرة.
خوف المسلمين ليس عابرًا. إنه قانوني، بيروقراطي، ومتجذّر في حالة طوارئ لم تنتهِ منذ عقدين. الباحثون مثل هلال يرون أن المشكلة ليست في الحوادث نفسها، بل في الوضع الدائم الذي يُعامل فيه المسلم كمشتبه به أولًا، ومواطن لاحقًا، وربما أبدًا.
وعندما قال الحاكم كوكس إنه صلّى ألا يكون القاتل “واحدًا منا”، قال شيئًا إنسانيًا في جوهره. لا أحد يريد أن يرتبط بهوية قاتل. لكن كلماته سلطت الضوء أيضًا على السبب الذي يجعل راحة المسلمين مفهومة، لا مدانة. ففي الساعات الأولى بعد كل كارثة، تُصبح الهوية شظايا. من الذي سيتلقى ضربة اللوم هذه المرة؟ المسلمون يعرفون أنهم غالبًا هم. هذه المرة، فقط هذه المرة، لم تكن الطعنة موجهة إليهم.