لا يحتاج مارتن سكورسيزي إلى تقديم. فالرجل الذي تجاوز الثمانين من عمره يُعدّ أحد أهم الأسماء التي شكّلت ملامح السينما الحديثة. على مدى أكثر من نصف قرن، لم يكتفِ بإخراج أفلام ناجحة، بل أسهم في صياغة إيقاع السينما، وحدد نبرتها الأخلاقية، ورسّخ لغتها البصرية الخاصة.
اهتمامات سكورسيزي لم تكن يومًا محصورة داخل حدود هوليوود. بوصلة فضوله الفني كانت دائمًا تتجه نحو ثقافات وأصوات وتيارات تتجاوز المركز الأميركي. ولطالما شكّلت اختياراته الموسيقية ومرجعياته الثقافية نافذة تكشف عن المساحات التي يشغلها خياله. من هنا تحديدًا، يبدو شغفه بفرقة ناس الغيوان المغربية أمرًا يستحق التوقف عنده.
المخرج الأميركي لم يُخفِ إعجابه بهم. بل ذهب إلى حدّ مقارنتهم بفرقة رولينغ ستونز، وأدرج بعض أعمالهم في أفلامه، في إشارة واضحة إلى أن العلاقة لم تكن مجرد إعجاب عابر. تأسست ناس الغيوان عام 1969، في مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب بعد الاستقلال. وكانت موسيقاهم تعكس مزاج بلدٍ يبحث عن صوته، وجيلٍ يحاول أن يفهم موقعه في عالم يتغير سريعًا.
نشأ جيل كامل على أغانيهم. في الدار البيضاء ومدن أخرى، كانوا صوت الشارع والذاكرة الجماعية في آنٍ واحد. جسّدوا، كما يروي كثيرون ممن عاصروا بداياتهم، صورة المغرب القديم والجديد معًا. كانوا يعبّرون جهارًا عمّا كان يُفكَّر فيه همسًا، في زمن لم تكن فيه حرية التعبير أمرًا مضمونًا، وكان الفن فيه يحمل وزنًا سياسيًا وأخلاقيًا مضاعفًا.
في مقابلة متداولة، يذكر سكورسيزي أنه تعرّف إلى الفرقة للمرة الأولى عام 1981 أثناء عمله على مونتاج فيلمه The King of Comedy. وبينما كان التلفاز يعرض فيلمًا بعنوان Trances، وجد نفسه مأخوذًا بما يشاهده. العنوان نفسه، كما قال لاحقًا، بدا ملائمًا لحالته؛ إذ شعر بأنه وقع تحت تأثير نوع من “الانخطاف”.
ما أثّر فيه تحديدًا هو الطريقة التي قدّم بها فيلم Trances فرقة ناس الغيوان: مجموعة موسيقيين يسعون إلى إقامة صلة حقيقية مع جمهورهم، ومع ثقافتهم، ومع تاريخهم. وصفهم سكورسيزي بأنهم “يحاولون أن يكونوا روح بلدهم”. ورغم اعتمادهم على آلات تقليدية، كانت موسيقاهم، في نظره، تحمل طاقة تكاد تكون كهربائية.
هذا الإعجاب لم يبقَ في حدود المشاهدة. فقد اختار سكورسيزي لاحقًا إدراج أغنية “يا صاح” في فيلمه The Last Temptation of Christ. قد يبدو الربط غير متوقع، لكن الموسيقى وجدت مكانها الطبيعي داخل العمل، كما لو أنها كانت تنتمي إليه منذ البداية.
ولم يتوقف التأثير عند هذا الحد. حين أسّس سكورسيزي عام 2007 “مؤسسة السينما العالمية” بهدف ترميم الأفلام الكلاسيكية وإعادة تقديمها للجمهور، كان فيلم Trances أول عمل اختار استعادته. وفي لحظة رمزية بامتياز، عاد الفيلم إلى الضوء عبر عرضه في مهرجان كان السينمائي بعد نحو ثلاثين عامًا من صدوره.
عند تأمل هذا المسار، لا يبدو شغف سكورسيزي بناس الغيوان مفاجئًا. فهو مخرج طالما انجذب إلى الأصوات التي تعبّر عن نبض جماعي صادق، وإلى الفنانين الذين يلتقطون روح المكان من دون ادعاء تمثيله. وناس الغيوان، بروحهم الشعبية العميقة وصدقهم الفني، ينسجمون تمامًا مع هذا العالم الذي يبحث عنه سكورسيزي باستمرار.
ربما لهذا السبب لم يكن إعجابه بهم مجرد انبهار بموسيقى مختلفة، بل اعترافًا بقيمة تجربة فنية استطاعت أن تختصر روح بلدٍ كامل في أغانٍ لا تزال حيّة حتى اليوم.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.