يبدو الأمر وكأن شخصًا واحدًا فقط عاش ذروة حياته في المرحلة الثانوية، وقرر أن يجرّنا جميعًا لإعادة عيش عام 2016 مرارًا وتكرارًا. لا يمكنك اليوم تصفّح وسائل التواصل الاجتماعي من دون أن تطاردك ألبومات صور لا تنتهي: لقطات من سناب شات بفلترات الكلاب وتيجان الزهور، صور حفلات مهزوزة الإضاءة، وتعليقات حزينة على ما يُسمّى «آخر عام جميل». وبعيدًا عن كون هذا الترند مجرّد وليمة بيانات للذكاء الاصطناعي وأننا جميعًا نشارك في تغذيته، فالحقيقة أبسط من ذلك: عام 2016 لم يكن مميزًا كما نحب أن نتذكره، وما نراه اليوم أقرب إلى إعادة كتابة جماعية للتاريخ ممزوجة بنوع من فقدان الذاكرة الانتقائي.
أنا أتذكر جيدًا 2016 كما كان وهو يحدث فعلًا. لم يكن عامًا يُحتفى به، بل عامًا شاع فيه الإحساس بأن كل شيء يسير على نحو خاطئ. كره 2016 كان شعورًا عامًا، تحوّل إلى مادة للسخرية والميمز. لدرجة أن هناك مجتمعًا كاملًا على ريديت بعنوان r/f*ck2016، كان الناس يعودون إليه كلما وقعت كارثة جديدة، وهو ما كان يتكرر بلا انقطاع.
بعد عشر سنوات، حدثت المفارقة: أُعيد تقديم 2016 بوصفه ذروة ثقافية، وكأن «الأجواء» حينها كانت لا تُقارن. لكن الواقع أن المناخ العام في ذلك العام لم يكن مختلفًا جذريًا عما نعيشه اليوم. الثقافة كانت متشظية، والاستقطاب السياسي حاضرًا، حتى وإن لم يبلغ آنذاك مستويات العداء الحاد التي نعرفها اليوم.
بالنسبة لجزء كبير من منطقتنا، لم يكن 2016 عامًا مزعجًا فحسب، بل عامًا كارثيًا. الحرب في سوريا بلغت مراحل شديدة الدمار؛ الأزمة الإنسانية في اليمن تفاقمت بشكل حاد؛ العراق كان لا يزال غارقًا في العنف والنزوح بسبب الحرب على داعش؛ ليبيا واصلت التفكك تحت حكومات وميليشيات متنازعة؛ مصر كانت في قلب مسار الثورة المضادة بعد الربيع العربي؛ أما الفلسطينيون، فكانوا يعيشون 2016 كاستمرار طبيعي لعنف الاحتلال، من اشتباكات دامية إلى هدم المنازل.
كل هذا لا ينسجم إطلاقًا مع صورة عام عالمي خفيف وبلا هموم كما يُستدعى اليوم. وعلى المستوى الدولي، كان الخوف قد أصبح جزءًا من الحياة اليومية. مجزرة نادي Pulse في الولايات المتحدة شكّلت تصعيدًا مرعبًا للعنف ضد مجتمع الميم؛ قُتل فيلاندو كاستيل وألتون سترلينغ على يد الشرطة خلال يومين فقط؛ بريكست أعاد صياغة علاقة بريطانيا بأوروبا وشرعن خطابًا قوميًّا قائمًا على الإقصاء؛ وفي الخلفية، كان الإنترنت يمتلئ بدعاية يمينية متطرفة غذّتها تدخلات خارجية كُشف عنها لاحقًا في فضائح مثل كامبريدج أناليتيكا. كل ذلك انتهى بانتخاب دونالد ترامب، وكأن الصورة كانت تكتمل تدريجيًا.
من الصعب التوفيق بين هذه الحقيقة والطريقة التي يُستعاد بها 2016 اليوم. بالنسبة لكثيرين، لم تكن الذاكرة العاطفية السائدة لذلك العام هي الفرح، بل القلق والترقّب. كان هناك شعور دائم بأن شيئًا سيئًا يقترب. كل خبر عاجل كان يحمل احتمال الكارثة. لكن بالطبع، LOL هارامبي.
ثم كان الموت. موت كثير ومتتالٍ، لدرجة أنه أصبح سمة من سمات العام. رحل ديفيد بوي، برنس، آلان ريكمان، كاري فيشر، محمد علي، جين وايلدر، هاربر لي، أنطون يلشين، آلان ثيك، زسا زسا غابور، وغيرهم كثيرون خلال أشهر قليلة. الخسارات بدت وكأنها انهيار متزامن لعصور ثقافية كاملة. وربما لهذا السبب، لا يزال كثيرون حتى اليوم يشعرون بقلق فوري كلما بدأ اسم أحد المشاهير بالتصدر على وسائل التواصل.
نعم، كانت هناك لحظات جميلة. لكنها ضُخّمت أكثر مما تستحق. Pokémon Go مثال واضح. كانت لحظة حقيقية وممتعة، لكنها استمرت لأسابيع، لا لعام كامل. الموسيقى أيضًا كانت قوية: فرانك أوشن، سولانج، بيونسيه، دريك، ريهانا، بون إيفر، كانييه ويست، وديفيد بوي قدّموا أعمالًا مهمة. لكن الفن الجيد لا يعني تلقائيًا زمنًا جيدًا. في كثير من الأحيان، الأزمنة الصعبة هي التي تُنتج الفن الأجمل.
النوستالجيا تعمل بهذه الطريقة دائمًا. البشر يميلون إلى تلوين الماضي بألوان وردية. هناك من حنّ إلى أربعينيات القرن الماضي رغم أنها كانت زمن حرب عالمية مدمّرة. الحنين نادرًا ما يعترف بالألم؛ هو يفضّل الذاكرة الشخصية على الواقع الجماعي.
ما يفتقده الناس في 2016 ليس العام نفسه، بل على الأرجح نسختهم هم في ذلك الوقت. يفتقدون كونهم أصغر سنًا، أقل إنهاكًا، وأقل وعيًا بهشاشة كل شيء. يفتقدون إنترنت كان يبدو أبسط وأقل عدوانية في تسليعه. يفتقدون زمنًا سابقًا لتحليل كل لحظة، وتحويلها إلى محتوى، وتسليعها وتسييسها فورًا. النوستالجيا تزدهر عندما يبدو الحاضر خانقًا والمستقبل غامضًا. لكن تحويل 2016 إلى عصر ذهبي يتطلب تجاهل كمّ الاضطراب والعنف والخوف الذي شكّل ذلك العام لملايين البشر.
للتوضيح، أنا لا أكره 2016. مشكلتي فقط أنه يُعامَل اليوم وكأنه كان عامًا استثنائيًا، بينما لم يكن مختلفًا جوهريًا عما جاء بعده. القوى نفسها التي تُشكّل العالم اليوم كانت تعمل آنذاك. التوترات السياسية، التفكك الثقافي، ودورات الإعلام نفسها، فقط في مراحلها الأولى.
لذلك، دعوا 2016 يرحل. لا تسمحوا لتيجان الزهور والموسيقى الجيدة بأن تُبقِيكم أسرى له إلى الأبد.