عندما تُدمَّر الأرشيفات والمكتبات والمكتبات المستقلة عن قصد، يصبح حفظ القصص مسألة مصيرية. هكذا تصف سندس عبد الهادي، مؤسسة مكتبة MAKTABA التي افتُتحت عام 2022، إلحاح القراءة عن فلسطين. تقول: “كعراقية، شهدنا مؤسسات المعرفة تُحرق وتُنهب على يد قوى الاحتلال، من المغول حتى الأميركيين. وككاتبة وقارئة وصاحبة مكتبة، أعلم أن حفظ قصصنا ونشر تاريخنا بأصواتنا نحن أمر أساسي”. وتضيف: “الكتب تصبح أدوات للحفاظ على الذاكرة”. بالنسبة للفلسطينيين، الذين يُعتبرون من أكثر الشعوب العربية تعليماً، فإن فقدان هذه المساحات الثقافية خسارة هائلة— شكل آخر من أشكال القمع سيمتد أثره لأجيال قادمة. وفي سياق الإبادة المستمرة، تصبح القراءة فعل ذاكرة ومقاومة معاً.
في MAKTABA، لا تتعلق القراءة بالمعلومة فقط، بل بالنية أيضاً. تقول عبد الهادي: “عندما نقرأ عمداً لكُتّاب فلسطينيين، بكل تنوعهم، فإننا نصنع فهماً متعدد الأبعاد، ليس فقط للقضية الفلسطينية، بل أيضاً لفكرة التحرر والنضال من أجل تقرير المصير لكل الشعوب المقهورة حول العالم”. بعبارة أخرى، يمكن للكتاب أن يتجاوز كونه قصة، ليصبح أداة للرعاية الجماعية، والتضامن، وتخيّل مستقبل جديد.
ولا يتوقف دور الكتب عند هذا الحد. “الجانب الجميل في الكتب أنها تملك حياة خاصة بها، ولديها القدرة على تغيير القلوب والعقول، وتثقيف أشخاص فضوليين قد لا يعرفون شيئاً عن القضية سوى ما تقدمه لهم وسائل الإعلام السائدة”. ولهذا السبب خصصت MAKTABA منذ يومها الأول قسماً دائماً عن فلسطين، إلى جانب أقسام مثل “كل شيء سياسي”، و”القوة السوداء”، و”مستقبل السكان الأصليين”. فالمكان يُقدّم نفسه بقدر ما هو مكتبة، كمشروع تنسيقي وفكري، يطمح لأن يكون مركزاً للتفكير النقدي والقراءة الواعية.
ومن هنا تأتي قائمة القراءة. انطلاقاً من قناعة بأن الكتب تحفظ الذاكرة وتواجه المحو وتستعيد السرديات، شاركت MAKTABA قائمة من كتب كُتّاب فلسطينيين تتحدث عبر أجيال وأنواع أدبية وجغرافيات مختلفة. وهذه بعض العناوين للبدء:
رجال في الشمس لغسان كنفاني (قصص قصيرة، أدب)
لا بد أن تبدأ أي قراءة عن فلسطين بأعمال غسان كنفاني. روح المقاومة حاضرة في مجمل أعماله الأدبية والفكرية. ما يميّز هذه المجموعة هو قدرته على كسر الصورة النمطية عن الفلسطينيين عبر شخصيات متعددة الأبعاد وحيواتهم المعقدة.
“الضحايا المثاليون” لمحمد الكرد (غير روائي)
محمد الكرد، الذي يُشبَّه بجيل جديد من غسان كنفاني، قدّم واحدًا من أبرز الكتب التي ظهرت منذ بدء الإبادة. هذا العمل يُوصى به بشدة، لأنه يساعد على صياغة لغة جديدة وضرورية في معركة التحرر. يطيح الكرد بالحجج البالية التي اعتدنا سماعها، ويستبدلها بتأكيد صريح وحازم على إنسانية الفلسطيني، من دون اعتذار ولا مواربة. كتابه يعيد رسم ملامح المقاومة الفلسطينية، ويفرض سردية مختلفة لا تقبل التبرير أو التخفيف، بل تضع الفلسطيني في مركز إنسانيته الكاملة.
الاستشراق لإدوارد سعيد (غير روائي):
بفضل جهود إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا قبل عقود، اكتسبت حركة الاعتصامات الطلابية زخمها. لم يعبّر أي منظّر ثقافي عن القضية الفلسطينية كما فعل سعيد، ببلاغة وجرأة. عمله الأشهر “الاستشراق” غيّر المشهد الأكاديمي العالمي، وهو قراءة لا غنى عنها.
نادوني لبؤة لعهد التميمي ودينا تكرويري (مذكرات):
عهد التميمي تجسّد مستقبل فلسطين— قوية، صامدة، متجذرة في الأرض. تكتب عن حياتها في قريتها وتجربتها في سجون الاحتلال كمراهقة، بينما توفّر تكرويري السياق السياسي والتاريخي لفهم أعمق للنضال.
مسارات فلسطينية لرجا شحادة (مذكرات):
من أجمل الكتب عن فلسطين. يأخذ القارئ معه في جولات عبر المناظر الطبيعية لفلسطين بتفاصيل تشعرك أنك تسير بجانبه. الكتاب يعكس العلاقة العميقة بين الفلسطيني والأرض، نظرياً وعملياً.
في حضرة الغياب لمحمود درويش (شعر ونثر):
شاعر فلسطين الوطني وأحد عمالقة الأدب العربي. منح كلمات لمشاعر لم نكن نعرف كيف نصفها. قراءة درويش ضرورية لفهم التجربة الفلسطينية وتجربة الإنسان عموماً.
تفصيل ثانوي لعَدَنيّة شبلي (رواية)
رواية قصيرة لكنها مؤثرة إلى أقصى حد، مبنية على قصة حقيقية ومكتوبة بلغة مؤلمة وحيّة. عمل يكشف عن “أكثر الجيوش أخلاقية في العالم” بأسلوب جريء وصادم، حتى نال نصيباً من الجدل والرقابة.