منذ طفولتها، كانت صفاء بودخان تراقب والدتها وهي تمضي ساعات طويلة خلف إطار التطريز، تنسج الخيوط المعدنية بعناية وصبر لتشكّل زخارف دقيقة باستخدام القرقاف، أحد فنون التطريز التونسية التقليدية التي توارثتها الأجيال. آنذاك لم تكن تدرك حجم المهارة التي يتطلبها هذا العمل، لكن الصورة بقيت راسخة في ذاكرتها.
تقول المصممة التونسية: “كنت مفتونة بالصبر والدقة والتفاني الكامن خلف كل غرزة. كانت الحرفة حاضرة دائمًا في منزلنا، ولم تبدُ يومًا مجرد مهنة، بل أسلوب حياة كامل.”
اليوم، تحولت تلك الذكريات إلى الأساس الذي قامت عليه علامة BALGA، وهي علامة أحذية تونسية أسستها بودخان عام 2019 بهدف إعادة تقديم الحرف التقليدية التونسية ضمن لغة تصميم معاصرة. ومن خلال أحذية تُصنع وتُطرّز يدويًا في تونس، وغالبًا بمشاركة والدتها، تسعى المصممة إلى إعادة الاعتبار لحرف عريقة أصبحت مهددة بالتراجع في عصر الإنتاج السريع والعولمة البصرية.
لطالما لعبت الحرف اليدوية دورًا محوريًا في الحياة الثقافية لشعوب شمال إفريقيا. فمن الزليج المغربي إلى التطريز الجزائري، مرورًا بالنسيج وصناعة الجلود في تونس، انتقلت هذه المهارات المتخصصة عبر العائلات والمجتمعات المحلية جيلاً بعد جيل. إلا أن كثيرًا من هذه الحرف بات يواجه مستقبلًا غير واضح مع ابتعاد الأجيال الجديدة عنها وتوسع الإنتاج الصناعي على حساب العمل اليدوي.
وتوضح بودخان أن هذه الحقيقة كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء إطلاق مشروعها: “كبرت وأنا أرى جمال عمل والدتي، لكنني رأيت أيضًا مدى غياب التقدير والظهور الذي يحظى به الحرفيون التقليديون. وكانت نقطة التحول عندما أدركت أن الكثير من الشباب يقدّرون الحرف الفاخرة العالمية بينما يغفلون الإرث الحرفي الاستثنائي الموجود في تونس. ومن هنا جاءت BALGA لتبني جسرًا بين العالمين.”
ويحمل اسم العلامة هذه الفكرة نفسها. فهو مستوحى من البلغة التونسية التقليدية، مع صياغة كتابية جديدة تسهّل حضورها عالميًا، في إشارة إلى فلسفة العلامة القائمة على احترام التراث دون تجميده داخل الماضي.
وتقول المصممة: “أؤمن أن الابتكار يبدأ من الاحترام. نحن نحافظ على جوهر البلغة التقليدية وقيمتها الثقافية وتقنياتها الحرفية، لكننا نعيد النظر في الشكل والخامات والتفاصيل. لسنا بصدد إعادة إنتاج الماضي كما كان، بل نمنحه فرصة للتطور والتكيف مع الحاضر.”
وتكشف تصاميم BALGA عن هذا التوازن بوضوح. فبدلاً من إعادة إنتاج البلغة التقليدية بحذافيرها، تقدم العلامة نماذج أكثر حداثة بأطراف مدببة وخطوط انسيابية وكعوب نحتية مستوحاة من الأواني النحاسية التقليدية. كما تضيف التطريزات اليدوية المستلهمة من الفنون التونسية عمقًا بصريًا ولمسة فنية مميزة إلى التصاميم البسيطة.
وفي قلب هذه الرؤية يقف القرقاف، فن التطريز الذي شكّل مصدر الإلهام الأول للمصممة منذ طفولتها. وقد استُخدمت هذه التقنية تاريخيًا في تزيين الملابس الاحتفالية والأزياء التقليدية الفاخرة، وتتطلب مستوى عاليًا من الدقة والصبر والخبرة.
وتوضح بودخان: “القرقاف يحتاج إلى سنوات طويلة من الممارسة والإتقان. ومع تراجع عدد الحرفيين الذين يتقنون هذه التقنية اليوم، شعرت بمسؤولية تجاه الحفاظ عليها وإبرازها من خلال منتجات معاصرة يمكن للناس ارتداؤها والتفاعل معها يوميًا.”
ويبدأ كل زوج من أحذية BALGA بقصة أو مرجع ثقافي أو مكان معين. يتم تطوير التصميم واختيار المواد وإنجاز التطريز يدويًا قبل أن يتولى الحرفيون تجميع القطعة النهائية. وقد تستغرق هذه العملية أسابيع كاملة، في تناقض واضح مع إيقاع صناعة الأزياء السريعة.
لكن أهمية المشروع لا تتوقف عند الحفاظ على الحرف التقليدية، بل تمتد أيضًا إلى دعم الحرفيين الذين يقفون خلفها. ففي منطقة غالبًا ما تُهمّش فيها المهن الحرفية أو لا تحظى بالتقدير المادي الكافي، تتيح BALGA فرص عمل مستدامة تساعد الحرفيين على الاستمرار في ممارسة مهنتهم ونقل خبراتهم إلى الأجيال المقبلة.
وتضيف المصممة: “الإنتاج المحلي يمنحنا فرصة البقاء على تواصل مباشر مع الأشخاص الذين يصنعون كل قطعة. نحن نعرف من صنعها، وكيف صُنعت، وما القصة التي تحملها. هذه العلاقة الإنسانية هي ما أحرص على الحفاظ عليه مهما توسعت العلامة.”
وعندما تُسأل عن رؤيتها لمستقبل BALGA، تأتي الإجابة منسجمة مع فلسفتها منذ البداية: “لا أريد أن تصبح BALGA علامة تفضّل الكمية على الجودة أو تفقد علاقتها بالحرفيين. أفضّل نموًا تدريجيًا ومدروسًا يحافظ على الحرف التقليدية ويضمن أن يستفيد الجميع من هذا النجاح.”
وفي النهاية، تعود بودخان إلى الدرس الذي تعلمته من والدتها منذ الصغر: “علمتني أمي أن أكثر الأشياء قيمة في الحياة تحتاج إلى الصبر والالتزام والاستمرارية.”
وربما تكون BALGA أفضل تجسيد لهذا الدرس؛ فغرزة بعد أخرى، وزوج أحذية بعد آخر، تواصل العلامة إعادة كتابة قصة الحرفية التونسية، ليس فقط للحفاظ عليها، بل لمنحها مستقبلًا جديدًا أيضًا.
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين الأداء، ولأغراض التحليل، وتقديم محتوى مخصص، والإعلانات. من خلال التصفح أو الضغط على "قبول جميع ملفات تعريف الارتباط"، فإنك توافق على تخزين ملفات تعريف الارتباط من Mille World. راجع سياسة الخصوصية لمزيد من التفاصيل.