كسب العيش كمبدع أمر صعب بحد ذاته، ولكنه يصبح لعبة مختلفة تمامًا عندما تحاول التأقلم مع أساسيات البقاء. بالنسبة لأولئك الذين لم يحالفهم الحظ ليتمكنوا من دعم أنفسهم من خلال شغفهم، غالبًا ما يعني أن تكون فنانًا التعامل مع مدفوعات متأخرة، عملاء متطلبين بشكل مفرط، وعدد لا يحصى من التعديلات. كما يتطلب منك تسويق نفسك، التفاوض على العقود بمفردك، وإدارة جبل من المهام الإدارية، وكل ذلك بينما بالكاد تكسب ما يكفي لجعل الأمر يستحق العناء.
بالنسبة لريم حازرين، الفنانة الرقمية الفلسطينية البالغة من العمر 30 عامًا، فإن العملية التي تعتبر صعبة بالفعل لكسب العيش كمبدع تتفاقم بسبب الطبيعة القاسية والمتقلبة لبيئتها، مما يجعل النجاح في هذا المجال أكثر صعوبة. تعيش ريم في غزة، التي وصفتها العديد من المنظمات الدولية، بما في ذلك هيومن رايتس ووتش، بأنها سجن في الهواء الطلق. لقد كافحت ريم بلا كلل لتجد لنفسها مكانًا على الرغم من العيش تحت الاحتلال والإبادة المستمرة.
مؤخرًا، تعاونت حازرين مع العلامة التجارية الأمريكية “Palestinian Hustle” لتصميم خط حصري من القمصان والهوديات التي تكرم وطنها. في ضوء هذا التعاون، جلسنا مع الفنانة لمناقشة رحلتها، أهمية دمج الإشارات إلى فلسطين في عملها، واستخدام الفن كأداة للمقاومة.
Voir cette publication sur Instagram
Une publication partagée par Palestinian Hustle ™️ (@palestinianhustle)
هل يمكنك أن تعرفي بنفسك؟
اسمي ريم حازرين. أنا من فلسطين وأعيش في قطاع غزة الذي يشهد حاليًا أصعب الظروف من الحروب والدمار. أبلغ من العمر 30 عامًا وأعمل في مجال الفن والرسم الرقمي منذ أكثر من سبع سنوات. عملي هو طريقتي في التعبير عن مشاعرنا، أحلامنا، وآلامنا كفلسطينيين. كل لوحة أرسمها تحاول أن تنقل الصورة الحقيقية لحياتنا هنا في غزة. في كل مرة أسمع فيها صوت الطائرات الحربية أو أرى الدمار من حولنا، يزيد إصراري على خلق الجمال والأمل من الألم. الفن هو تراثي وتاريخي. بالنسبة لي، الرسم الرقمي ليس مجرد عمل؛ إنه رحلة يومية أعيشها لأخبر العالم قصتنا. من خلال فني، أحاول أن أظهر الجوانب الإنسانية والعاطفية في حياتنا وأبرز قوتنا وصمودنا في مواجهة الصعوبات. كل تصميم هو قصة حية ورسالة.
ما الذي دفعك لمتابعة مهنة في مجال الفنون؟
الحياة وتجربتي قادتني إلى الفن. منذ الطفولة، كان الرسم ملاذي من ضغوط الحياة. لطالما أحببت التعبير عن نفسي بالفرشاة والألوان. نشأت وأنا أرى معاناة الناس من حولنا في غزة، وكل يوم كنت أواجه تحديات وصعوبات جديدة. كان الفن طريقتي للهروب والتعبير عن نفسي في نفس الوقت. شعرت أن لدي رسالة أرسلها إلى العالم من خلال الألوان واللوحات. الفن يمنحني القوة والصبر، ويساعدني على التعبير عن الألم والأمل في نفس الوقت. كل لوحة أرسمها تحاول نقل واقعنا وأحلامنا وكأنها صرخة صامتة للعالم. الرغبة في التعبير عن نفسي وعن الناس من حولي جعلتني أختار طريق الفن.
يبدو أنك منخرطة في مجالات فنية مختلفة من التصميم الجرافيكي إلى الرسوم التوضيحية والفن الرقمي. كيف تديرين التوفيق بين هذه المجالات العديدة؟
الفن هو لحن فريد يعبر عني. الرسم، التصميم الجرافيكي، والفن الرقمي يكملون بعضهم البعض، مما يتيح لي التعبير عن مشاعري، أفكاري، وهويتي الفلسطينية بطرق مختلفة. الفن هو مساحتي للهروب؛ يمكنني أن أضيع في تفاصيله وأخلق من أعماق قلبي. التوازن يأتي من الشغف، وعندما تحبين ما تفعلينه حقًا وتشعرين بهويتك وأرضك في كل ضربة فرشاة أو تصميم، تجدين الوقت لكل شيء وتعطينه حقه. فلسطين تمثل الإلهام والصمود، وكل قطعة فنية هي قصة من أرضها.
كيف هي تجربة أن تكوني مبدعة في فلسطين؟ ما هي بعض الصعوبات التي تواجهينها وتودين أن يعرفها الناس؟
كونك فلسطينية يعني أن تعيشي يومك بين الأمل والتحدي. نحاول خلق الجمال رغم كل شيء، الضغوط التي نواجهها يوميًا. الفكرة ليست فقط في الرسم أو التصميم؛ إنها في أن تعبرين عن أحلامك، آلامك، وأملك في لوحاتك وأعمالك وأنها تنقل رسالة مهمة. الضغوط تبدأ من القيود على الحركة، صعوبة الحصول على الأدوات اللازمة، والانقطاعات المستمرة في الكهرباء. هناك أيضًا ضغوط نفسية من الاحتلال، القصف وصوت الطائرات الحربية المستمر. أحيانًا أشعر بالإحباط والاكتئاب الشديد، الذي أقاومه وأعبر عنه من خلال الرسم. أحيانًا، كل لوحة أو تصميم نصنعه هو رسالة للعالم نقول فيها “نحن هنا، نحلم ونخلق رغم كل الظروف”. الأمل هو ما يدفعنا إلى الأمام، وفلسطين هي مصدر إلهامنا.
نظرًا للصعوبات المتعلقة بالتعليم والوصول إلى الإنترنت في فلسطين، هل يمكنك أن تخبرينا عن كيفية تدريبك؟ أين وجدت الموارد لتطوير مهاراتك؟
التعليم في غزة يواجه العديد من التحديات، من صعوبة الوصول إلى المدارس والجامعات بسبب الحواجز، الإغلاقات، القصف والدمار إلى ندرة الموارد التعليمية. الإنترنت أيضًا ليس متاحًا دائمًا، ونواجه انقطاعات متكررة. حاليًا، بسبب الحرب، للحصول على اتصال بالإنترنت، أضطر إلى السير أميالًا رغم القصف والدمار. ومع ذلك، نقاوم رغم كل التعب، الإرهاق والخوف، من أجل أنفسنا وهويتنا. تدربت عبر الإنترنت عندما كان متاحًا. تعلمت الكثير من يوتيوب والدورات المجانية المتاحة على الإنترنت. بعض المنظمات المحلية توفر أيضًا ورش عمل ودورات تدريبية للشباب. الكتابة والقراءة كانت جزءًا كبيرًا من رحلتي التعليمية. كنت أقرأ أي شيء يمكنني الحصول عليه، سواء كانت كتبًا أو مقالات.
إصراري وجهودي مدفوعان برغبتي في ترك أثر وحضور، وليس مجرد أن أكون رقمًا. دعم العائلة والأصدقاء لعب أيضًا دورًا كبيرًا. رغم الظروف الصعبة، نجد دائمًا طرقًا جديدة لتطوير مهاراتنا وإثبات أن الإبداع والتعليم لا يمكن إيقافهما. نحلم بمستقبل أفضل، وهذا ما يدفعنا إلى الأمام.
ما هو دور التراث الثقافي في عملك؟ كيف تدمجين عناصر الثقافة الفلسطينية في فنك؟
في الواقع، التراث الثقافي هو مصدر إلهام كبير في عملي. جذورنا الفلسطينية والإرث التاريخي لدينا عميقة جدًا، وتنعكس بشكل طبيعي في فني وكل ما أقدمه. أحاول دائمًا دمج عناصر الثقافة الفلسطينية في عملي، سواء في الألوان، المواضيع، أو حتى الرموز التراثية. عندما أبدأ مشروعًا جديدًا، أعمل أولاً على فهم الجوانب الثقافية والتاريخية المتعلقة بالموضوع. ثم أحاول دمج هذه العناصر بطريقة حديثة وإبداعية في العمل الفني، وكأنني أكتب قصة. عادة ما أحاول تحقيق توازن بين العمق الثقافي والتعبير الفني المعاصر، بحيث يكون العمل شاملاً ومعبرًا في نفس الوقت. التراث الفلسطيني ليس مجرد إضافة عشوائية لتصاميمي بل هو جزء حيوي وجوهري من جميعها. هو مصدر قوة وهوية ويساعدني في إيصال رسالتي بطريقة أعمق وأكثر صدقًا للناس الذين يتفاعلون مع عملي.
هل يمكنك أن تخبرينا قليلاً عن تعاونك مع “Palestinian Hustle”؟
في عام 2019، قمنا بتحديد فكرتنا الأولى للتعاون، “أقوى معًا”. لأننا نشارك قضية مشتركة، كان الحماس مرتفعًا للغاية، والتعاون معهم كان خطوة مهمة بالنسبة لي. عندما تحدث معي المؤسس سامر (فيداي) لأول مرة، بدأت علاقة طويلة من التعاون الفني المتجذر في قضيتنا والرسالة التي أردنا مشاركتها مع العالم. كان تعاوننا الأول يهدف إلى إرسال رسالة لكل شخص يتلقى تصميمنا أنه ليس وحده، نحن معه، بجانبه، من الشرق إلى الغرب، من كل مكان في العالم.
كوني من غزة، كان هناك تحدٍ كبير جدًا، من الكهرباء إلى الإنترنت، لكن بالطبع، الصعوبات التي نعيش معها تعطي لكل ما أقوم به متعة، حياة، وقصة. لذا، كان التعاون الأول رسالة لي ولكل من يسعى ويعيش في صعوبات. منذ عام 2019، بدأنا رحلة تعاون عميقة انتهت بتصميم مجموعة “NATIVE”، التي صممتها بينما كنت أعيش في دمار مطحن، مشردة في رفح، تحت القصف، الموت، التهديدات، ونقص كل وسائل الحياة مثل الكهرباء، الإنترنت، الماء، إلخ. لكي أتمكن من التواصل مع سامر بخصوص التصميم، كان علي السير أميالًا والبحث عن أماكن يتوفر فيها الإنترنت وشحن جهازي لكي أتمكن من التواصل.
كيف ترين مستقبل الفنون في فلسطين؟ ما هي التغييرات أو التطورات التي تودين رؤيتها؟
بصراحة، رغم كل التحديات التي قد تواجهنا، أرى مستقبلًا واعدًا للفنون في فلسطين. الفن في فلسطين يعبر عن الهوية والصمود وينقل القضايا الاجتماعية والسياسية بطريقة قوية ومؤثرة. أرضنا أنجبت العديد من الفنانين العظماء، وبسبب الحرب في غزة فقدنا الكثير منهم وتراثًا فنيًا عظيمًا. آمل أن أرى دعمًا متزايدًا للفنانين المحليين وإنشاء مساحات أكبر للتعبير الفني، سواء من خلال المعارض الفنية، ورش العمل، أو حتى دعم رقمي أفضل للفنانين للتواصل مع بعضهم البعض ومع الجمهور. أحلم برؤية المزيد من الفرص للشباب الفلسطيني لتطوير مواهبهم والتعبير عن أفكارهم بحرية وبدون قيود. الفن هو لغة مشتركة تجمع الناس وتنقل رسالة السلام والتضامن من فلسطين إلى العالم كله.
ما هي أهدافك أو تطلعاتك لمستقبلك المهني؟
في المستقبل، هدفي الأساسي هو إيصال رسالتي وأفكاري إلى أكبر عدد ممكن من الناس بطريقة مؤثرة وملهمة. أريد أن أطور مهاراتي الفنية أكثر فأكثر، وأبتكر في عملي باستمرار، لكي أصل إلى مستوى عالمي في مجالي. أريد أن أكون جزءًا من التغيير الإيجابي في مجتمعي، خاصة بالنسبة للشباب الذين يحلمون بالفن والإبداع. أريد أن أساهم في خلق الفرص لهم ومساعدتهم في تطوير مواهبهم وتحقيق أحلامهم، تمامًا كما ساعدوني في رحلتي.
ما هي النصيحة التي تقدمينها للفنانين الشباب في فلسطين أو في مناطق أخرى تواجه تحديات مشابهة؟
نصيحتي للفنانين الشباب في فلسطين أو أي منطقة تواجه تحديات مشابهة هي أن يستمروا في الإيمان بأحلامهم وأن يكونوا صبورين على جميع التحديات التي قد يواجهونها. الطريق إلى التميز ليس سهلًا، ولكن العزيمة، المثابرة، والإخلاص تصنع الفارق. لا تخافوا من التعبير عن أنفسكم وإطلاق العنان لخيالكم، لأن الفن وسيلة قوية للتعبير والتغيير. الفنانون هم جزء من تاريخ وثقافة بلدهم، وكل لوحة، نغمة، أو كلمة يمكن أن تغير حياة شخص ما. حظًا موفقًا لكل فنان شاب. آمل أن يصلوا إلى أقصى حدود التميز والإبداع وأن يستمروا في إلهام العالم بفنهم ومواهبهم الرائعة.