في غزة، لا تتوقف المأساة عند القنابل والحصار. إنها تمتد إلى الفضاءات الرقمية التي تسيطر عليها ميتا، الشركة المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب. هذه المنصات التي يستخدمها يوميًا أكثر من 3.35 مليار شخص، تحدد كيف يرى العالم المعاناة الفلسطينية—أو يتجاهلها. بالنسبة للفلسطينيين، حيث الحريات الصحفية مقيدة، أصبحت هذه الشبكات شريان حياة، وأرشيفًا لجرائم الحرب، ومساحة للمقاومة.
لكن خلف وعود “ربط العالم”، تطبق ميتا معايير مزدوجة صارخة. ووفقًا لتقرير صادر عن حملة، وهي مؤسسة فلسطينية تعمل في مجال الحقوق الرقمية وحقوق الإنسان، لم تفشل الشركة فقط في حماية الحقوق الرقمية للفلسطينيين، بل ساهمت فعليًا في محوها. فبينما تسمح بالتحريض على الكراهية والعنف ضد الفلسطينيين، تقوم في الوقت نفسه بقمع روايتهم بشكل ممنهج، محوِّلةً خوارزمياتها إلى أدوات نشطة لنزع الإنسانية.
هذا الفشل يتكرر في أماكن أخرى: في ميانمار ساعدت خوارزميات ميتا في نشر خطاب الكراهية ضد الروهينغا بشكل فيروسي، وفي إثيوبيا غذّى خطاب الكراهية ضد التيغراي عمليات القتل والتهجير. واليوم في فلسطين، المحتوى العبري يخضع لإشراف ضعيف، بينما يُزال المحتوى العربي أو الموالي للفلسطينيين بشكل مفرط حتى لو كان بريئًا.
المقارنات التاريخية تكشف خطورة الأمر. محكمة نورمبرغ أدانت عام 1946 النازي يوليوس شترايشر باعتبار أن صحيفته سهلت الإبادة. وفي رواندا، لعبت إذاعة RTLM دورًا محوريًا في التحريض على قتل التوتسي بوصفهم “صراصير”. اليوم، يصف مسؤولون إسرائيليون الفلسطينيين بـ“الفيروسات” و“الحيوانات البشرية”، ويدعون إلى “الإبادة” أو “الترحيل”. هذه الخطابات تجد طريقها إلى منصات ميتا، أحيانًا كإعلانات مدفوعة، بينما تُحذف وسوم ومنشورات فلسطينية لمجرد التعبير عن الألم أو المطالبة بالحرية.
بين أكتوبر 2023 ومايو 2025، وثّق مرصد الحقوق الرقمية الفلسطيني أكثر من 2,200 حالة لمحتوى يحرض على قتل الفلسطينيين أو يمجّد جرائم الحرب، ومعظمها بقي دون تدخل يُذكر، بينما جرى حذف مئات المنشورات الفلسطينية وحظر حسابات. واتساب استُخدم بدوره كأداة تنظيمية في الهجمات الاستيطانية في الضفة الغربية، حيث جرى تبادل المواقع والمعلومات لتسهيل الاعتداءات. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن بيانات المنصات ساعدت في تحديد أهداف، ما ساهم في تهجير 4,250 فلسطينيًا وتدمير 1,760 مبنى خلال عام 2024.
لم تكتفِ الشركة بالتقاعس، بل حققت أرباحًا. فقد سُمح للإعلانات المدفوعة التي تحرّض على العنف أو تدعم التوسع الاستيطاني بالمرور من دون أي رقابة. بقي الإشراف ضعيفًا، متأخرًا، وردّ فعله لا يتجاوز المعالجة بعد وقوع الضرر، ما أتاح للأذى أن ينتشر قبل أي تدخّل فعلي. في المقابل، يواجه الفلسطينيون رقابة منهجية وملاحقات قانونية بسبب منشورات احتجاجية، بينما يزدهر التحريض بالعبرية بلا قيود. وتكرّس خوارزميات ميتا وسياساتها هذا التفاوت: تُحذف مئات المنشورات الفلسطينية، فيما تبقى مئات المنشورات العبرية التي تدعو إلى العنف الجماعي متاحة على المنصات. وهكذا تُؤسّس الحصانة والإفلات من العقاب كنهج مؤسسي، سواء من جانب ميتا أو من جانب السلطات.
القانون الدولي يضع التحريض في صميم جرائم الإبادة. ورغم أن الشركات لا تخضع للمساءلة الجنائية مثل الأفراد، إلا أن ميتا ملزمة بمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية وبالقوانين الوطنية والدولية. المسؤولية المدنية والعقوبات التنظيمية ممكنة، لكن التنفيذ غائب تقريبًا.
اليوم، لم تعد ميتا مجرد منصة اجتماعية. إنها فاعل رئيسي في تضخيم خطاب الكراهية وتطبيع العنف، بل وتمكين الإبادة أحيانًا. الكلمات التي تُخزن على خوادمها تقتل مثلما تفعل القنابل. والمحاسبة لم تعد ترفًا بل ضرورة. تقرير حملة يقدم خارطة طريق للمجتمع المدني والحقوقيين والهيئات الدولية من أجل المطالبة بالمساءلة، العدالة، والحقيقة.