الحياة المزدوجة على طريقة العرب في القرن الحادي والعشرين

وهي مهمة في غاية الصعوبة

by

لطالما كان سوبرمان البطل الخارق المفضل لدي منذ الطفولة، فقد كان يعمل كصحفي في النهار ومكافح ضد الجريمة في الليل، إنّ قدرة كلارك كينت على استبدال نظارته بعباءته الحمراء الشهيرة بينما يبقى متخفياً أمام أعين العالم جعلت منه واحداً من الشخصيات المميّزة لدي في صناعة السينما فهو يمثلني بالفعل.

بالرغم من أنّ سوبرمان لم يكن عربياً بأيّ شكل من الأشكال، إلا أنّ هناك قاسم مشترك بين ميزاتنا وسماتنا كعرب وبينه،  يتجسد في حقيقة أنّ العديد منا في العالم العربي يعيش حياة مزدوجة ويحرص دائماً على إخفائها عن الآخرين من حوله.

لقد ولدت في المملكة المتحدة لأبوين مغربيين، وكانت البيئة التي احتضنتني محافظة للغاية، وكان من الصعب عليّ موازنة حياتي بين الثقافة العربية والدين وبين حياة أي مراهق عادي يطمح دائماً لتخطي الحدود التي وضعها آباؤه. لم يقتصر الشعور بالذنب تجاه والديّ فقط، بل تعدى ذلك إلى المجتمع، وبدلاً من محاولة تحقيق التوازن بين الاثنين، وجدت نفسي أعيش حياة مزدوجة: ياسين بشخصيتين متناقضتين تماماً.

حتى أصبحت حياتي أشبه بأغنية إيرل سويتشيرت التي يقول فيها “سوداء جداً للأطفال البيض وبيضاء جداً بالنسبة للسود” ولكن في حالتي أنا، كانت الأمور رهينة الحرام والحلال – الأمر الذي يُعتبر نوع من الازدواجية الكاملة بين التناقضات المرهقة للغاية، ناهيكم عن الارتباك الذي كان يصيب حياتي كلما أصبحت أكثر نضجاً وإدراكاً لحقيقة أنّ معظم الشباب الذين هم في عمري سينظر إليهم معظم الآباء العرب في بلدي الأم على أنّهم “أسوأ” مني، وغني عن القول أنني كنت أجهل مع أيّ جانب أقف.

لقد شعرت بالضغط من كل الاتجاهات، وكان الجميع يوجهون لي كل أنواع الأسئلة ويقدمون كل أنواع الإغواءات، ويحاولون جاهدين لضمي إلى صفهم. حيث كان يقول الجميع “هيا يا ياسين، إنه مجرد شراب لا ضرر في ذلك”؛ وبالمقابل يقول الطرف الآخر “هل أنت قادم لصلاة الجمعة يا ياسين؟” بالرغم من أني أقدر جهود الجميع ومحاولاتهم لتكوين صداقات معي وضمي إلى مجموعتهم، إلا أنّ كل ذلك جعل من الصعب عليّ تحديد ومعرفة ماهية مبادئي الأساسية، حيث كنت أتأرجح بشكل أعمى بين كل ما يطرح عليّ.

وبالتالي، بدأت أعاني من تدهور صحتي النفسية التي كانت منغمسة في حياة مزدوجة بين شخصين مختلفين تماماً وفقاً للمجموعة التي كنت أرافقها، ولكن في حال اصطدم كلا العالمين المنفصلين عندي (إما عندما تتجمع مجموعة كبيرة من الأصدقاء، أو الأسوأ من ذلك عندما يلتقي أحد أصدقائي بوالدي)، كنت أشعر برغبة عارمة بالتخلص من أحد الطرفين. في تلك اللحظات كنت أشعر بأنّ الوقت يمر ببطء شديد وقاتل، وكنت أتوسل لزملائي ألا يتفوهوا بشيء خاطئ أو يتصرفوا تصرفاً سيئاً أمامهما، والأكثر من ذلك كنت أخشى من ردة فعل والديّ تجاه أي تصرّف قد يصدر عنهم، فقد تكون رائحة السجائر أو البيرة أو حتى بقعة خفيفة من أحمر الشفاه على ياقة قميص أحد أصدقائي كافية لإطلاق الأحكام عليه بأنّه شخص سيء، وغني عن القول بأنّ الآباء العرب يتفقون مع المثل القائل “قل لي من تصاحب أقول لك من أنت”.

بصراحة لم أشعر بالراحة إلا بعد رحيلي، حيث تحسنت الأمور نوعاً ما، أو على الأقل هذا ما أشعر به. لقد ابتعدت عن والدَي اللذين لم يتوقفا عن الشك ببعض الأمور التي أقوم بها، فهما يميلان إلى غض الطرف عندما يتعلق الأمر بالحالات التي ذكرتها سابقاً. بالرغم من أني لم أجد حلاً لأزمة هويتي، إلا أنّها أصبحت أخف ثقلاً على كاهلي في الوقت الحالي على الأقل.

أما بالنسبة لباقي جوانب حياتي، فقد بدأت بشكل طبيعي ببناء علاقات مع أشخاص يعانون من نفس المشاكل والمعضلات التي أعاني منها، وبالرغم من أنّهم لم يجدوا بعد إجابة لكل شيء، إلا أنّهم يوازنون بين ما هو حلال وحرام. كلما استفضنا في الحديث أكثر، كلما تمكنا من تفكيك بعض العقد ووجدنا المزيد من الإجابات والأسباب حول هويتنا وما نطمح لأن نكون في هذه الرحلة الطويلة. في الواقع لم نجد حلولاً بعد، لكننا على الأقل نشعر بمزيد من الراحة والحرية عندما نكون حول بعضنا البعض، وفي الوقت الحالي، أشعر بأنني محظوظ لوجودهم حولي ومساعدتي على الشعور بهذه الطريقة. أنا بانتظار حافز آخر لأرى كيف يمكننا حل المزيد من التناقضات التي تؤرقنا.

شارك هذا المقال