في مسلسل كتالوج، الإنتاج الأصلي لمنصة نتفلكس، لا يبدأ التوتر من حدث استثنائي، بل من واقع مألوف أكثر مما نحب أن نعترف: أسرة صغيرة تتعامل مع الغياب، أبٌ يعود إلى منزله ليكتشف أنه غريب فيه، وطفلان يحدقان فيه أكثر مما يحادثانه. هذه ليست دراما أسرية تقليدية، بل تمرين على استعادة لغة مشتركة، ولحظة تفكيك لما تعنيه العائلة حين تنهار فجأة، لا بفعل العنف أو الخيانة، بل بسبب الغياب البسيط واليومي والمزمن.
محمد فراج، الذي يجسد شخصية “يوسف”، لم يحتج وقتًا طويلًا ليقرر المشاركة. كما أخبرنا: “قرار إني أكون في المشروع ده أخدته في ثلاث ثواني بعد ما قريت النص.” لم يكن الحماس نابعًا فقط من الدور، بل من طبيعة القصة نفسها، كما عبّر: “كنت بدور على القصة دي في حياتي الشخصية وفي شغلي. جمال القصة جاي من الصدق اللي تكتبت بيه. قصة توجع القلب لكن بشكل بسيط وسلس، توصل لكل الناس وبكل حب.”
في زمن تتسابق فيه الأعمال الدرامية على إثارة المشاهد، يعود كتالوج إلى البديهي: كيف يعيش الإنسان حزنه؟ كيف يحاول الأب أن يعوّض ما فاته؟ وكيف ينظر الطفل، الذي لا يملك أدوات التعبير، إلى عالم الكبار الذي يتحرك من حوله بتردد وخوف؟ العلاقة بين يوسف وطفليه لا تتطور عبر صراخ درامي ولا عبر لحظات مواجهة صارخة، بل في مطبخ، على مائدة، في لحظات صمت مطولة. فراج يقدّم شخصية لا تمتلك أجوبة جاهزة، لكنه يمشي نحو أولاده بحذر وصدق. “مش كل الأبهات أبهات، لكن يوسف بيحاول. بيقع وبيقوم. وده بيخلي الدور إنساني جدًا.”
@milleworlddotcom Ali El Beialy on his Role in “Catalog” علي البيلي عن دوره في مسلسل كتالوج #كتالوج #نتفليكس #محمد_فراج ♬ original sound – milleworlddotcom
لكن الإنسان لا يُبنى في النص فقط. ما لا يُكتب يحدث في الكواليس، وما لا تقوله الشخصية تقوله العلاقة اليومية مع الطفلين علي البيلي وريتال عبد العزيز. كان من الواضح منذ اليوم الأول أن التصوير مع طفلين لن يكون مجرد تنفيذ تقني لمشاهد مكتوبة، بل بناء علاقة من نوع خاص. “أنا بحب الأطفال جدًا، والعلاقة بتتبني يوم بعد يوم. الأطفال بيحسوا بسرعة، وبيفهموا صدقك حتى من غير كلام.” يقول فراج. العلاقة لم تبنَ فقط عبر البروفات، بل أيضًا عبر اللعب، والضحك، وابتكار لغة سرية بينهم، سموها “جيجوبا”، وهي وسيلة تواصل خاصة يفهمون بها بعضهم البعض دون أن يفهمهم الآخرون في موقع التصوير، وكأنها شفرة داخلية لحماية المسافة الحميمة بينهم.
اختيار هذه الحكاية كان أيضًا نتيجة لرهان واضح من نتفلكس على القصص التي تلامس الحياة اليومية بتعقيداتها العاطفية. فالمنصة التي قدمت خلال السنوات الأخيرة موجة من الإنتاجات العربية، تعود في كتالوج إلى مساحة العائلة المفككة واللغة الحميمة. ما قدمته نتفلكس لفريق العمل، كما عبّر فراج، لم يكن فقط مشروعًا مكتوبًا بإتقان، بل بيئة إنتاجية تحتضن الممثل وتمنحه الأمان الإبداعي، وتراهن على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق.
لكن التحدي الأكبر لم يكن في النص، بل في الصمت. كما يصف فراج: “المسلسل مليان مشاهد صعبة، مش بمعنى حواري، لكن من حلاوة المسلسل إن فيه مشاهد صعبة لكل الأبطال والشخصيات، مشاهد صامتة أو قليلة الحوار، وكان صعب إنك توصل الإحساس.” ويضيف: “ومن تصديقنا لجمال الرسالة اللي بنحب نوصلها، ومن تصديقنا لقدرات بعض، الموضوع طلع بالشكل اللي أنتم شفتوه.”
هذا الجهد لم يكن عاطفيًا فقط، بل جسديًا أيضًا. علي البيلي، الذي لم يكن يحب كرة القدم في حياته اليومية، اضطر للتدرّب ثلاث مرات في الأسبوع في الإسكندرية لإتقان مشاهد اللعب التي يتطلبها دوره. والده ووالدته كانا يوثّقان التمارين بالفيديو ويبعثانها إلى المخرج وفريق الإنتاج، وكان علي يتلقّى نصائح أسبوعية من محترفين لتحسين أدائه. “كنت بتحسن كل أسبوع”، قالها بعفوية، كأن التمثيل لم يكن مجرد لعب دور، بل دخول حقيقي في جلد الشخصية. هذه التفاصيل الصغيرة — طفل يتعلم رياضة لا يحبها، ويلتزم بها من أجل مشهدين أو ثلاثة — تفتح أعيننا على حجم الجهد الذي يُطلب من الأطفال حين يصبحون في قلب القصة. لم يعودوا زينة المشهد، بل عموده الفقري.
@milleworlddotcom Mohamed Farrag opens up on his role in Catalog محمد فراج يتحدث عن شخصية يوسف في كتالوج #كتالوج #نتفليكس #محمد_فراج ♬ original sound – milleworlddotcom
مع كل مشهد صعب ينجح فيه الفريق، كان الثلاثي يرددون “سل سل بوم”، كشعار احتفالي يعكس شعورًا جماعيًا بأن المشهد لم يكن مجرد أداء، بل تجربة نجحوا في عبورها سويًا. ريتال وصفت الكواليس بأنها “تحفة”، مليئة بالمزاح والمقاطع القصيرة التي كانوا يصورونها للتيك توك لتخفيف ثقل اللحظات الحزينة. علي وصف أول لقاء له مع فراج بأنه نقطة التحول في شعوره بالراحة: “في أول بروفة، فراج ضحكني بحركات وشه. حسيت إنه شخص مرح وفني، ومن وقتها بقت العلاقة حقيقية بينا.”
هذا البعد العاطفي والمهني معًا لم يكن محصورًا في الأداء، بل هو امتداد لرؤية فنية حول ما يجب أن تقدمه الدراما الآن. بالنسبة لفراج، هذه القصص ليست فقط أدوارًا تؤدى، بل مواقف تقال في اللحظة المناسبة. “الدراما من النوع ده مفقودة. محتاجين نرجع للحكايات اللي بتحكي عن البيت، عن الإنسان، عن الضعف، عن العلاقات اللي اتأخرت.” يقولها بصدق يشبه الصدق الذي بنيت به قصة كتالوج. لا عجب إذًا أن يرى العمل كخطوة كبيرة، ليس فقط على مستوى الانتشار، بل على مستوى ما يعنيه له كممثل: أن يكون داخل حكاية تهم الناس فعلًا، وتُروى دون أن تشرح، وتوجع دون أن تزعق، وتلعب دون أن تهرب من المشاعر.
وسط هذا كله، يقف الطفل. لا كعنصر إضافي أو ظاهرة تسويقية، بل كبوصلة. في كتالوج، لا يدور النص حول كيف ينقذ الأب أبناءه، بل كيف يتعلم منهم، خطوة بخطوة، أن يكون حاضرًا. هذا ما يجعل الأطفال في هذا العمل لا “يمثلون” فقط، بل يعيدون تشكيل مفهوم العائلة على الشاشة — ووراءها.
في النهاية، لا شيء أكثر صدقًا من لحظة يردد فيها طفل وممثل ومراهقة، بعد مشهد صعب… “سل سل بوم”. ليس احتفالًا بنجاح فني فحسب، بل بلحظة فهم صغيرة، أو بداية علاقة، أو كسر لحاجز. هكذا تُبنى العائلة. وهكذا تُروى الحكاية.