بالنسبة للفلسطينيين، الطعام ليس مجرد طعام. أن تكتب عن الأطباق الفلسطينية يعني أن تدخل مساحة تتقاطع فيها الهوية والذاكرة والمقاومة. في كل طبق – سواء كان المسخّن المغموس بزيت الزيتون، أو المقلوبة المقلوبة على رأسها، أو الكنافة التي تقطر بالقطر – تسكن حكاية أرض وطقس وتحدٍّ. لكن هذه الوصفات ليست مجرد تراث جامد؛ بل تزداد معانيها إلحاحًا في الحاضر، تحديدًا لأن الطعام صار سلاحًا، ولأن الناس يموتون جوعًا في غزة.
في قطاع غزة المحاصر، الجوع ليس صدفة. خلال العام الماضي تأكد وقوع المجاعة، إذ يواجه أكثر من نصف مليون إنسان ظروف حرمان غذائي قاسية. وتشير السلطات الصحية إلى أن ما يقارب 500 ألف شخص يعيشون بالفعل في وضع “كارثي” من الجوع، بينما يعاني 96% من السكان من انعدام الأمن الغذائي الحاد. وفي حادثة مروعة، أعلنت وزارة الصحة في غزة عن وفاة عشرة أشخاص في يوم واحد بسبب الجوع وحده، ليرتفع عدد الوفيات المرتبطة بسوء التغذية إلى أكثر من مئة منذ بداية الحرب.
هذه ليست أرقامًا مجردة؛ إنها حياة ملموسة. في شمال غزة، أجساد الأطفال نحيلة إلى درجة يصفها الأطباء بأنها “بعرض العظام”. العيادات التي تعالج سوء التغذية غارقة تحت الضغط، الأطعمة العلاجية اختفت، وكثير من الأمهات أصبحن عاجزات عن الرضاعة بسبب سوء تغذيتهن.
تحذّر منظمات حقوق الإنسان من أن قوات الاحتلال تتعمد استخدام الطعام كسلاح حرب: تستهدف البنية التحتية الزراعية، وتقيّد دخول المساعدات، وتتحكم في أنظمة التوزيع، وتفرض شروطًا تهدف إلى خلق ظروف “غير صالحة للعيش”. وقد صرّح المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء صراحةً أن “التجويع يُستخدم كسلاح جيوسياسي”، محذرًا من أن الصمت قد يرقى إلى مستوى التواطؤ.
وإذا كان التجويع يسعى إلى محو الحياة، فإن الاستيلاء الثقافي يسعى إلى محو التراث. من تسويق المفتول على أنه “إسرائيلي كوسكوس” إلى الادعاء بأن الحمص والفلافل “أطباق وطنية” للآخر، لطالما كان المطبخ الفلسطيني ساحة نزاع. كل إعادة تسمية، وكل عملية محو، تنخر في العلاقة بين الناس والأرض والصحن.
في هذا السياق، تصبح الأطباق الفلسطينية أكثر من مجرد حنين أو غذاء؛ إنها فعل بقاء. قد تُقصف أشجار الزيتون، وتُجرف الأراضي الخصبة، وتُدمّر مخازن الحبوب، لكن الأمهات ما زلن يعصرن السماق ويخلطنه بزيت الزيتون. يلجأ اللاجئون إلى العدس والأرز عندما يصبح اللحم بعيد المنال. وعندما يندر الطحين، تعود العائلات إلى تقاليد قديمة: دحرجة المفتول باليد، تحميص الفريكة على الفحم، وتمديد كل مكوّن ليكفي الجميع. حتى فعل الطهي نفسه يصبح شكلًا من أشكال الرفض، وإعلانًا أن الموائد قد تفرغ، لكن التراث لا يُمحى.
المسخّن

المسخّن ليس مجرد طبق فلسطيني شهير، بل يُعتبر الطبق الوطني الفلسطيني ورسالة حب لموسم قطف الزيتون. في كل خريف، تجتمع العائلات حول خبز الطابون المغموس بأول عصرات الزيتون، يعلوه البصل المحمّر حتى الحلاوة وقطع الدجاج المتبلة بحموضة السماق القرمزي. تقول الحكايات الشعبية إن الطبق وُلد صدفة، حينما وُضع اللحم والخبز معًا في فرن الطين الجماعي فامتزجت نكهاتهما. سواء أكانت صدفة أم لا، أصبح المسخّن طقسًا للاحتفاء والشكر. حتى اليوم، ورغم الحصار، تبتكر العائلات في إعداده، أحيانًا تكتفي بالبصل والزيت على الخبز، لتجعل من الزيتون بطل الحكاية.
المقلوبة

تكمن دراما المقلوبة في لحظة قلب القدر رأسًا على عقب على المائدة، كاشفةً عن طبقاتها المنحوتة من الأرز والخضار واللحم. يعود ذكرها إلى كتب الطهي في العصور الوسطى منذ القرن الثالث عشر، لكن الفولكلور الفلسطيني يربط اسمها بصلاح الدين الأيوبي. بعد استعادة القدس، قُدمت له طبخة من الباذنجان واللحم والأرز، فأشاد بها وأطلق عليها اسم “المقلوبة”. واليوم، لم تعد المقلوبة مجرد مشهد استعراضي، بل رمزًا للصمود. ففي القدس، تُطهى خلال رمضان في رحاب الأقصى كفعل حضور وتأكيد للهوية في مدينة مهددة بالمحو. قلب الطبق هنا يصبح فعلًا رمزيًا: قد تنقلب صفحات التاريخ، لكن المقاومة لا تنقلب.
القِدرة

إن كان المسخّن ينتمي إلى موسم الزيتون، والمقلوبة إلى القدس، فإن القِدرة هي طبق الخليل بامتياز. تُطهى في قدور فخارية ثقيلة وتُحمل إلى الأفران الجماعية، فتغمر رائحة الأرز واللحم والحمص المتبلة بالهيل والقرنفل أجواء المدينة. لا يكتمل عرس، أو عيد، أو جمعة دون هذا الطبق. الطقس هنا لا يقل أهمية عن المذاق: العائلات تسلّم قدورها للمخابز، الأفران متقدة، والجيران يتقاسمون الأطباق فيما بينهم. القِدرة ليست مجرد وجبة، بل طقس اجتماعي يحفظ تماسك المجتمع ويعيد صياغة معنى المائدة كفضاء للتقاسم والتواصل.
المفتول

المفتول، الذي يُختزل في الخارج غالبًا إلى “الكسكسي”، يحمل قرونًا من عمل النساء الفلسطينيات. اسمه مشتق من الفعل “فتل” أي لفّ أو جدل. بعد موسم الحصاد، كانت النساء يجتمعن ليفتلن البرغل بأيديهن إلى حبيبات صغيرة، ثم يُجفف تحت أشعة الشمس. هو عمل جماعي، عمل حكايات، وعمل مقاومة في آن واحد. في المنفى، يستحضر الفلسطينيون طعم المفتول بحنين؛ فهو بالنسبة للبعض نكهة قرية لم يروها منذ عام 1948. وفي السنوات الأخيرة، أثارت محاولات تسويقه باسم “الكسكسي الإسرائيلي” غضبًا واسعًا.
المجدرة

المجدرة طبق عريق، مذكور في كتب الطهي العربية منذ العصور الوسطى، وبسيط في مكوناته: عدس، أرز، وبصل مكرمل. اسمها يعني “المبقعة”، إشارة إلى العدس المتناثر فوق الأرز الأبيض. كانت تُعد طعام الفقراء، لكنها تحولت إلى طبق جامع للجميع: زهيد الثمن للفقراء، ومحبوب بما يكفي ليُقدَّر من الجميع. في البيوت المسيحية، تُطهى خلال فترة الصوم الكبير، وفي البيوت المسلمة، في أوقات البساطة والتواضع. بالنسبة للكثيرين، المجدرة هي الطبق الذي يحنّ إليه المرء بعد يوم طويل، وجبة تمنح شعورًا بالامتلاء والدفء معًا.
السماقية

السماقية لا تجدها إلا في غزة. إنها يخنة حامضة تعتمد على السماق، الطحينة، السلق، الحمص، واللحم. تاريخها يعود إلى القرن الحادي عشر على الأقل، إذ ورد ذكرها في سجلات العصور الوسطى، لكنها اليوم أصبحت جزءًا لا ينفصل عن هوية مدينة غزة. تُطهى بكميات كبيرة في الأعياد وتُوزَّع على الجيران، لتجسد روح الغزيين الجماعية. وتحت الحصار، عندما يقل السلق، تلجأ العائلات إلى استبداله بالأعشاب البرية المتاحة.
الصيادية

الصيادية تحمل اسمها من “الصياد”. وُلدت على السواحل الفلسطينية— في غزة ويافا وعكا— كوجبة يومية للصيادين: السمك الطازج مع الأرز والبصل المكرمل، مطهو ببساطة لكن بغنى في الطعم. ومع مرور الزمن، تحولت من طبق شعبي متواضع إلى أحد أركان الولائم الساحلية. واليوم، تحمل الصيادية ذاكرة الساحل الفلسطيني الذي لم يعد متاحًا لأهله كما كان.
الفريكة

الفريكة وُلدت من صدفة قديمة. تقول الأسطورة إن قرويين هاربين من هجوم اكتشفوا أن القمح الأخضر الذي احترق جزئيًا لم ينجُ فحسب، بل أصبح مذاقه أفضل. منذ ذلك الحين، صار القمح يُحصد وهو أخضر ويُحمّص عمدًا ليُنتج تلك الحبوب المدخنة التي يعشقها الناس في الحساء والرز المفلفل. موسم الفريكة طقس جماعي: العائلات تنشر القمح تحت الشمس، وتدخنه في الحقول، وتفصل الحبوب عن القش معًا. طعمها ترابي، صلب، ومشدود إلى الأرض بجذوره.
الكنافة النابلسية
لا حلوى تحمل رمزية بقدر ما تحملها الكنافة النابلسية. هدية نابلس إلى العالم، بطبقاتها من العجين المفتت الممزوج بجبنة نابلسية مالحة، مغمورة بالقطر حتى تتوهج. الكنافة الفلسطينية هي الاحتفال بحد ذاته: في الأعراس، ليالي رمضان، والبدايات الجديدة. وفي المنفى، تُحضَّر الكنافة في مطابخ ضيقة، ويصبح حلاها بلسمًا على جراح الفقدان.
